تعقيب على مبارك الفاضل: هل أتاك حديث (الانتهازي) .. عن قضايا الوطن؟!(2-2)
كتب - د. عمر القراي
(يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ)
صدق الله العظيم
عقب انتفاضة مارس/أبريل 1985م، التي اسقطت نظام نميري، تم اتفاق “كوكادام” بين “الحركة الشعبية لتحرير السودان”، بقيادة د. جون قرنق رحمه الله، و”التجمع الوطني لإنقاذ الوطن”، الذي كان يقوده حزب الأمّة، بقيادة السيد الصادق المهدي. وتم التوقيع على اعلان “كوكادام” في 24 مارس 1986م، وكان من أهم بنوده: الاتفاق على أن المشكلة ليست مشكلة الجنوب، وإنما هي مشكلة السودان – الغاء قوانين سبتمبر 1983م، التي أطلق عليها النظام قوانين الشريعة الإسلامية – الغاء الاتفاقيات العسكرية مع مصر وليبيا – العودة لدستور 56 المعدل 64 – عقد مؤتمر دستوري. وعندما أصبح السيد الصادق رحمه الله، رئيساً للوزراء في 6 مايو 1986م، وكان مبارك الفاضل أحد قيادي حزبه، عينه وزيراً للصناعة في 1986م، ثم وزيراً للطاقة والتعدين في عام 1988م، ثم وزيراً للداخلية في 1989م.
ولم ينفذ السيد الصادق أي من بنود اتفاقية “كوكادام”، وأبقى على قوانين سبتمبر 1983م، رغم أنها كانت من أسباب ثورة الشعب على نظام نميري، ولم يوقف الحرب المشتعلة في الجنوب، بل قام برفض اتفاقية السلام التي تمت في نوفمبر 1988م، بين د. جون قرنق، وبين السيد محمد عثمان الميرغني زعيم طائفة الختمية، ورئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي. وكان السيد مبارك الفاضل متبعاً للسيد الصادق المهدي، في كل هذه الأفعال، التي تدل على عدم اعتباره للديمقراطية، أو للوطن. بل ان السيد مبارك الفاضل، قام بوصفه وزيراً للداخلية، وناطقاً رسمياً باسم الحكومة، بالقبض على مجموعة، من أساتذة جامعة الخرطوم في فبراير 1989م، وندد بهم في وسائل الاعلام، واتهمهم بالخيانة العظمى، والتحاور مع عدو الوطن، لأنهم قابلوا د. جون قرنق في “أمبو” بأثيوبيا، وتحاوروا معه، حول السلام بين الشمال والجنوب. وبعد 6 سنوات من هذا التغول على الحريات، في ظل نظام يفترض أنه حكومة مدنية ديمقراطية، شارك السيد مبارك الفاضل، ممثلاً للسيد الصادق المهدي، في مؤتمر القضايا المصيرية في عام 1995م. وتحاور مع نفس العدو، ووقع مع د. جون قرنق الاتفاق، الذي زعم انه عالج قضية الدولة المدنية الديمقراطية، دون أن يطرح أمر “فصل الدين عن الدولة”، والذي يرفعه اليوم، للقوى السياسية لتقتدي به.
إن مبارك الفاضل رجل ( انتهازي)، لا يرعى قيمة ولا خلق، وإنما يجري وراء مصالحه الشخصية، لذلك بمجرد ان لوحت له حكومة الاخوان المسلمين، بمنصب، هرع اليه، ونسي أنها نظام دكتاتوري شمولي، يقوم على تطرّف ديني، وأنه كان يعارضهم. فعُيّن مساعداً لرئيس الجمهورية المخلوع عمر البشير، في أغسطس 2002م، وحتى يرضي سادته الجدد، خرج من حزب الأمة، وحين انتقد السيد الصادق سلوكه هذا، وبيعه لمبادئه، ومفارقته للحزب الذي نشأ فيه، وعمالته وارتزاقه، بدأ يهاجم ابن عمه السيد الصادق المهدي، حتى يرضي الاخوان المسلمين. وكان مما كتبه في هذا الصدد قوله (وقبل عودتك من منفاك الاختياري الأخير بالقاهرة في 2003م أرسلت ابنك عبد الرحمن الى رئيس المؤتمر الوطني ليقول له ان ابي يقول لك ان بقائه في القاهرة ليس عودة الى المنفى ولا هو مرتبط بموقف سياسي ولكنه بسبب العجز عن مواصلة الالتزامات المالية في السودان وأنه يسألك العون حتى يعود الى السودان وقد استجاب رئيس المؤتمر الوطني وسدد فاتورة العودة)(رسالة مفتوحة من مبارك الفاضل الى الصادق المهدي – الصحافة 5/4/2004م). ولقد أوضح مبارك بهذا الخطاب، أنه ليس مرتزق وحده، وإنما السيد الصادق أيضاً يرتزق من حكومة الاخوان المسلمين، ويستجدي ذلك الارتزاق!!
وبعد كل هذا التملق للدكتاتورية، قام البشير بإقالة السيد مبارك الفاضل، بمرسوم رئاسي في أكتوبر 2004م. ولم يستطع مبارك الفاضل العودة الى حزب الأمة، فكون حزب الأمة الإصلاح والتجديد. ولم يستقطب الا قلة من الانتهازيين، يثقون في فهلوته، وحاول ان يجد مكانة بين صفوف المعارضة، أو قبولاً جماهيرياً، فلم يفلح.
وحين أطلق المؤتمر الوطني كذبة “الحوار الوطني” نشط فيه السيد مبارك الفاضل، وأبدى كل مظاهر الولاء، في تزيين “الحوار الوطني”. فقامت حكومة البشير، باستقطاب عدد من السياسيين، وأعلنت ما أسمته “حكومة الوفاق الوطني”، لتدفع بها عن نفسها، تهمة احتكار السلطة، لعضوية تنظيم الاخوان المسلمين. فقاطع الشرفاء من السياسيين حكومة “الوفاق الوطني”، كما قاطعوا “الحوار الوطني”. ولكن مبارك الفاضل، ومجموعة من حزبه، اعلنوا ائتلافاً مع الحكومة، عين بموجبه السيد مبارك الفاضل في مايو 2017م، نائباً لرئيس الوزراء، ثم عين وزيراً للاستثمار في 2018م، ثم ابعد في تعديل وزاري في مايو 2018م.
وحين بدأ الحراك الثوري ضد حكومة الاخوان المسلمين، انتظر السيد مبارك الفاضل، الى ان تصاعدت الثورة، بصورة اصبح متوقعاً منها سقوط النظام، فأعلن، بعد ذلك، فض الشراكة بينه وبين المؤتمر الوطني، وأعلن انسحاب اتباعه، الذين بقوا بعد ذهابه، ثم أعلن في ابريل 2019م ، انه يؤيد ثورة ديسمبر العظيمة، وذهب الى ميدان الاعتصام، امام القيادة العامة، لكن الثوار هتفوا في وجهه، وطردوه من الميدان.
وحين أشعل الإخوان الحرب في أبريل 2023م، وقف السيد مبارك الفاضل معهم، وأيد الجيش، وروج لإشاعة موت حميدتي، وكان يظن أن الاخوان المسلمين سيعودون، وقد يجدوا له مكاناً بينهم ليخدمهم كما فعل مراراً. والآن شعر ان التحركات الإقليمية والدولية، قد تنجح في ابعادهم، فظهر في مؤتمر اديس ابابا مع المعارضة، ثم هاهو ينتقد الدعوة لفصل الدين عن الدولة، ليدعم اتجاه الحكومة الدينية، التي يتبناها الاخوان المسلمون.
وحتى يدعم السيد مبارك الفاضل، رأيه القائل برفض موضوع فصل الدين عن الدولة، حاول دعمه برأي السيد الصادق أيضاً فقال (وقد عبر الامام الصادق المهدي رحمه الله عن هذا المعنى بوضوح عندما رد على دعوات مماثلة للأستاذ عبد العزيز الحلو مؤكداً إن هذه القضايا لا تفرض بواسطة أي طرف سياسي وانما يقررها الشعب السوداني عبر الوسائل الديمقراطية وصناديق الاقتراع)!!
والحقيقة ان السيد الصادق المهدي رحمه الله، لا يستدل به على شيء يتعلق بالديمقراطية. لأنه ظل طول حياته، ربيب الدكتاتوريات، وذيل الاخوان المسلمين. فقد قاد “الجبهة الوطنية” المعارضة لنظام نميري، وحين فشل هجومها العسكري في عام 1976م، قام سراً بمقابلة النميري في بورتسودان، وتصالح معه، وخان زملاءه في النضال، مما عبر عنه بأسف بالغ، السيد الشريف حسين الهندي، ثم عُيّن في الاتحاد الاشتراكي، وأدى قسم الولاء لثورة مايو “الظافرة”. ورغم أن الاخوان المسلمين انقلبوا على حكومته المنتخبة، وادخلوه السجن، وحققوا معه عدة مرات، وذكر أنهم اساءوا اليه وأهانوه، عقد معهم اتفاق “التراضي الوطني” في 20 مايو 2008م. ولم يكن من بنود ذلك الاتفاق المشين، الذي ادانه بعض شباب حزب الأمة، التعددية أو الانتخابات الحرة، أو وقف الحرب مع الجنوب. وإن ما كان من بنوده: التزام قطعيات الشريعة الإسلامية، والتعايش السلمي بين الأديان!! مع أن قطعيات الشريعة، قامت على قتال غير المسلمين، حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. والغريب أن اتفاق السيد الصادق المهدي، مع الاخوان المسلمين حدث، وهم يقتلون مئات الآلاف من الجنوبيين، ومن سكان جبال النوبة، باسم الجهاد، الذي يقوم على قطعيات الشريعة. ولم يتردد في أن يضع يده، في أيديهم الملطخة بدماء أبناء دارفور، الذين قتلوا منهم 250 ألف مواطن، مع أن دارفور هي مكان السند التاريخي التقليدي لحزب الأمة. وحين وجهت المحكمة الجنائية الدولية، للبشير تهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي لأهالي دارفور، لم يتعاطف السيد الصادق المهدي مع الضحايا وذويهم من الأنصار، ولم يطالب البشير بالمثول للمحكمة، بل تعاطف مع البشير، المجرم، القاتل، وقال عبارته المشهورة (البشير جلدنا ما بنجرو بالشوك)!! كما صمت السيد الصادق المهدي، عن مقتل أكثر من 200 طالب، في انتفاضة سبتمبر 2013م.
وحين قامت ثورة ديسمبر المجيدة، وقف السيد الصادق المهدي ضدها من الوهلة الأولى. بل سخر منها، ووصفها بأنها (بوخة مرقة ساكت)!! ولقد استغرب بعض المراقبين، وبعض أعضاء حزب الأمة، من هذا الموقف المعارض للشعب السوداني، الذي غمر الشوارع، بصورة لم يسبق لها مثيل، حتى كشف الأمر السيد إبراهيم منعم منصور، في تسجيل، ذكر فيه إن السيد الصادق المهدي، قد وعد من حكومة البشير، بأنه بعد إعادة انتخاب البشير في 2020م، سيعين السيد الصادق المهدي، رئيساً لوزراء التشكيل الجديد للحكومة.
لكل ما تقدم، فإن السيد مبارك الفاضل، ليس مؤهلاً للحديث عن الديمقراطية، أو عن مصلحة الشعب السوداني. كما أن السيد الصادق المهدي، الذي استشهد به، أكثر منه بعداً عن قيم الديمقراطية، وعن مصلحة الوطن.
إن حزب الأمة حزب عريق، أساء اليه قادته، والآن لديه فرصة أخيرة، ليضمد جراحه، وينهض من كبوته، ويراجع تاريخه.
18 يونيو 2026