يواجه إقليم شرق السودان مرحلة بالغة الحساسية وسط تصاعد مؤشرات الاستقطاب القبلي والتوترات السياسية التي أعادت إلى الواجهة مخاوف قديمة من انزلاق المنطقة نحو صراعات تهدد استقرارها الهش. وبينما تتسع دائرة التحذيرات من قيادات سياسية ومدنية ومجتمعية، تبدو الأزمة الحالية أكثر تعقيداً من مجرد خلافات أهلية عابرة، إذ ترتبط بسياقات سياسية وأمنية واقتصادية متشابكة جعلت الشرق ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ والمصالح.
وخلال الأسابيع الأخيرة، برزت مؤشرات مقلقة على تنامي حالة الاستقطاب بين مكونات الإقليم، في وقت تتحدث فيه مصادر رسمية عن قلق حكومي متزايد من الخطابات والممارسات التي تؤدي إلى تأجيج الفتن القبلية وتهدد الأمن القومي والسلم الاجتماعي. وتتابع الأجهزة المختصة، بحسب تلك المصادر، تحركات بعض الجهات التي تعتمد على خطاب إعلامي ومجتمعي يساهم في تعميق الانقسامات وإثارة التوترات بين المكونات المحلية.
وتعود جذور الأزمة الراهنة إلى تراكمات سياسية واجتماعية ممتدة، إلا أن شرارتها الأخيرة ارتبطت بتصريحات أثارت جدلاً واسعاً أطلقها ناظر عموم قبائل الهدندوة ورئيس المجلس الأعلى لنظارات البجا، سيد محمد الأمين ترك، خلال فعالية رسمية بمدينة كسلا مطلع يونيو الجاري. وقد اعتبرت قطاعات واسعة من المكونات الاجتماعية في الإقليم تلك التصريحات مساساً بالهويات المحلية وإحياءً لخطاب يكرس الانقسام بدلاً من تعزيز التعايش.
وشهدت المناسبة حضوراً رسمياً رفيعاً تقدمه وزير الداخلية السوداني ووالي ولاية كسلا، الأمر الذي أضفى على الحدث أبعاداً سياسية إضافية، خصوصاً بعد أن جدد ترك مطالبات تتعلق بمراجعة مكونات الهوية البجاوية وترسيم الحدود بين النظارات والإدارات الأهلية المختلفة، فضلاً عن دعوته لتطبيق اتفاقات سابقة مرتبطة بإدارة النزاعات المحلية.
ولم تتأخر ردود الأفعال على تلك التصريحات، حيث سارعت قيادات من قبائل البني عامر إلى عقد مؤتمر صحفي بمدينة كسلا وجهت خلاله انتقادات حادة للسلطات التنفيذية والسياسية، معتبرة أن صمت المسؤولين الحكوميين أثناء إطلاق تلك التصريحات يمثل موقفاً سلبياً إزاء خطاب الإقصاء والكراهية. كما طالبت بمحاسبة المسؤولين الذين حضروا المناسبة واتخاذ إجراءات واضحة تعكس حياد الدولة تجاه مكونات الإقليم كافة.
وفي خضم هذه التطورات، تتصاعد الاتهامات المتبادلة بشأن المسؤولية عن تأجيج الأوضاع. فقد اتهم القيادي في تجمع القوى المدنية لشرق السودان ووالي كسلا السابق صالح عمار السلطة الحاكمة بالسعي إلى إضعاف التماسك الاجتماعي في الشرق، معتبراً أن النزاعات القبلية تُستخدم كوسيلة لإشغال المجتمعات المحلية عن قضايا الموارد والتنمية والحقوق السياسية.
ويرى عمار أن شرق السودان يمتلك موارد استراتيجية وأراضي واسعة وثروات معدنية تجعله محط اهتمام قوى متعددة، مشيراً إلى أن وحدة المجتمعات المحلية وتمسكها بأراضيها يشكلان عائقاً أمام بعض المشاريع والمصالح. كما أكد أن القوى المدنية في الإقليم اختارت مواجهة الاستفزازات بخطاب يدعو إلى السلام والتماسك المجتمعي، محذراً من الانجرار إلى صراعات تخدم أجندات لا علاقة لها بمصالح المواطنين.
في المقابل، تتفق أصوات سياسية ومدنية أخرى على أن الأزمة تتجاوز الأشخاص والتصريحات الفردية، وترتبط بخلل بنيوي في إدارة الدولة لملف الشرق. وتقول القيادية بحزب المؤتمر السوداني عبلة كرار إن المؤسسات الرسمية تتحمل جزءاً من المسؤولية نتيجة السماح بانتشار خطابات الكراهية دون اتخاذ إجراءات رادعة، فضلاً عن استمرار توظيف البنى القبلية والإدارات الأهلية في الصراع السياسي.
وتحذر كرار من أن استمرار هذه الأجواء قد يقود إلى انفجار واسع يصعب احتواؤه، خاصة في ظل الانتشار الكبير للسلاح وسط بعض المجموعات المحلية. وتلفت إلى أن أي حادث أمني محدود يمكن أن يتحول إلى شرارة لصراع واسع النطاق في بيئة تتسم بحساسية الانتماءات الاجتماعية وضعف مؤسسات الدولة.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية مضاعفة بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي الذي يحتله شرق السودان. فالإقليم يضم الموانئ الرئيسية للبلاد، ويشكل شرياناً اقتصادياً حيوياً يربط السودان بالعالم الخارجي. كما أن أي اضطرابات أمنية في ولايات البحر الأحمر وكسلا والقضارف من شأنها التأثير بصورة مباشرة على حركة التجارة والإمدادات والخدمات الأساسية.
وليس بعيداً عن الذاكرة ما شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية من إغلاقات للطرق القومية والموانئ والاحتجاجات السياسية التي تسببت في أزمات اقتصادية خانقة. وقد أظهرت تلك الأحداث حجم التأثير الذي يمكن أن تمارسه التوترات المحلية على المشهد الوطني بأكمله، الأمر الذي يجعل أي تصعيد جديد مصدر قلق للسلطات وللقوى السياسية والمجتمعية على حد سواء.
ويرى مراقبون أن خطورة الوضع الراهن لا تكمن فقط في تصاعد الخطاب القبلي، وإنما في تزامنه مع حالة السيولة السياسية والأمنية التي تعيشها البلاد منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. ففي ظل انشغال الدولة بالأزمة الوطنية الكبرى، تزداد المخاوف من استغلال بعض الأطراف لحالة الفراغ أو الضعف المؤسسي من أجل إعادة تشكيل موازين القوى المحلية عبر تأجيج الانقسامات الاجتماعية.
ومع ذلك، لا تزال هناك مؤشرات إيجابية تتمثل في وجود أصوات أهلية ومدنية مؤثرة تدعو إلى التهدئة والحوار وتغليب المصالح المشتركة على الخلافات الضيقة. كما تؤكد العديد من القيادات المجتمعية تمسكها بخيار السلام ورفضها الانجرار نحو مواجهات قد تدمر النسيج الاجتماعي الذي حافظ عليه الإقليم لعقود طويلة رغم التحديات.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المعركة الحقيقية في شرق السودان ليست بين القبائل أو المكونات الاجتماعية المختلفة، وإنما بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى توظيف الهويات والانقسامات لتحقيق مكاسب سياسية آنية، وآخر يراهن على التعايش والاستقرار والتنمية باعتبارها الضمانة الوحيدة لمستقبل الإقليم.
وبين هذين الخيارين يقف شرق السودان اليوم أمام اختبار مصيري. فإما أن تنجح القوى الوطنية والمجتمعية في احتواء التوترات وإعادة توجيه النقاش نحو قضايا التنمية والحقوق والمشاركة السياسية، وإما أن تتحول الخلافات الراهنة إلى شرارة لصراع أوسع قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، في إقليم ظل لسنوات طويلة يحمل في طياته ملامح معركة مؤجلة لم تُحسم فصولها بعد.