في أحد أحياء أوغندا المكتظة باللاجئين، تجلس أم سودانية وفي يدها ورقة غير مقصوصة بالتساوي، وكأنها انتُزعت من قلب دفتر على عجل. تكتب عليها احتياجات اليوم، ثم فجأة تمسك بالقلم وتشطب نصف ما كتبته، لأنها لم تعد قادرة على دفع ثمنه. لم تتغير احتياجات أطفالها إلى الطعام أو أقلام الرصاص، لكن الذي تغير هو قيمة المال الذي يصلها من السودان. ومع كل تراجع وهبوط في قيمة الجنيه السوداني، تتسع الفجوة بين ما تحتاجه الأسرة وما تستطيع توفيره.
للأسف، لا ينظر آلاف اللاجئين السودانيين في أوغندا إلى انهيار العملة باعتباره خبرًا اقتصاديًا أو رقمًا في نشرات الأسواق، بل يرونه واقعًا يوميًا يحدد عدد الوجبات التي يتناولونها، وإمكانية دفع الإيجار، أو حتى شراء الدواء عند الحاجة.
يعتمد عدد كبير من الأسر على تحويلات مالية من أقارب ما زالوا يعملون داخل السودان، لكن مع فقدان الجنيه جزءًا كبيرًا من قيمته، أصبحت هذه الأموال لا تكفي لتغطية أبسط الاحتياجات اليومية. فالمبلغ الذي كان يضمن استقرار الأسرة لشهر كامل قد لا يغطي اليوم سوى أيام معدودة.
وتنعكس هذه الأزمة بشكل واضح على حياة النساء، خصوصًا اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن بمفردهن. فارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قيمة التحويلات يدفعهن إلى اتخاذ قرارات صعبة، مثل تقليل الإنفاق على الغذاء، أو تأجيل العلاج، أو سحب الأطفال من بعض الأنشطة التعليمية لتوفير المال.
أما الطلاب السودانيون في أوغندا، فيواجهون تحديًا آخر يتمثل في صعوبة سداد الرسوم الدراسية أو شراء المستلزمات التعليمية، بعد أن أصبحت الأموال التي ترسلها أسرهم أقل قيمة عند تحويلها إلى العملة المحلية. ويهدد ذلك استمرارية تعليم بعضهم، رغم أن التعليم يمثل بالنسبة لهم أحد أهم سبل بناء مستقبل أكثر استقرارًا.
ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المادي فحسب، فالإحساس الدائم بعدم الأمان المالي يترك آثارًا نفسية عميقة على اللاجئين الذين يعيشون أصلًا تجربة اللجوء وفقدان الاستقرار. ويشعر كثيرون بالعجز لأنهم لم يعودوا قادرين على تلبية احتياجات أسرهم في ظل هذه الظروف المتعثرة.
وفي مواجهة هذه الظروف، تلجأ بعض الأسر إلى تقاسم السكن مع عائلات أخرى، أو تقليل عدد الوجبات اليومية، أو البحث عن أعمال غير مستقرة لتغطية النفقات الأساسية. ورغم ما تبديه المجتمعات المحلية والمنظمات الإنسانية من دعم، فإن حجم الاحتياجات يزداد مع استمرار الأزمة الاقتصادية وتدهور قيمة العملة السودانية.
إن تراجع قيمة العملة لا يعني فقط انخفاض سعر الصرف، بل يعني أيضًا تراجع القدرة على العيش بكرامة. وهو يذكّر بأن الأزمات الاقتصادية قد تتحول سريعًا إلى أزمات إنسانية تمس حياة الناس بشكل مباشر، خاصة أولئك الذين أجبرتهم الحرب على مغادرة ديارهم والبدء من جديد في بيئة مليئة بالتحديات.
وفي نهاية المطاف، يبقى اللاجئ السوداني في أوغندا عالقًا بين حرب دفعته إلى الرحيل، واقتصاد متدهور يقلص فرص النجاة يومًا بعد يوم. وبين هذين الواقعين، تظل الحاجة ملحة إلى مزيد من الدعم الإنساني وفرص كسب العيش، حتى لا تتحول معاناة اللجوء إلى دائرة مستمرة من الفقر وفقدان الأمل.