Fajr Press

النيل الأزرق على حافة أزمة إنسانية متفاقمة .. تحذيرات من انهيار الخدمات الصحية مع تجدد النزاع واقتراب موسم الأمطار.

الدمازين - فجر برس

دقت منظمة أطباء بلا حدود ناقوس الخطر بشأن التدهور المتسارع للأوضاع الإنسانية والصحية في إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، محذرة من أن استمرار نقص التمويل الإنساني وتجدد أعمال العنف والنزاع في المنطقة يدفعان آلاف المدنيين نحو ظروف أكثر قسوة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تداعيات موسم الأمطار المرتقب على صحة السكان وإمكانية وصولهم إلى الخدمات الأساسية.

وأكدت المنظمة أن الإقليم، الذي يستضيف أعدادًا كبيرة من النازحين والعائدين، يواجه ضغوطًا متزايدة على بنيته الصحية الهشة أصلًا، مشيرة إلى أن التراجع في حجم المساعدات الإنسانية خلال الفترة الأخيرة انعكس بصورة مباشرة على قدرة المرافق الطبية على تقديم الخدمات اللازمة للسكان، خاصة في المناطق الريفية والنائية.

وتأتي هذه التحذيرات في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني التي ألقت بظلالها على مختلف القطاعات الخدمية، حيث أدى تجدد النزاع إلى تعقيد عمليات الإغاثة الإنسانية وتقييد حركة الفرق الطبية والمنظمات العاملة في المجال الإنساني، الأمر الذي يهدد بتفاقم الاحتياجات الصحية والغذائية خلال الأشهر المقبلة.

وأشارت أطباء بلا حدود إلى أن اقتراب موسم الأمطار يمثل تحديًا إضافيًا أمام الاستجابة الإنسانية، إذ من المتوقع أن تتعرض العديد من الطرق والمسارات الحيوية للانقطاع نتيجة السيول والفيضانات، ما سيؤدي إلى صعوبة وصول المرضى إلى المراكز الصحية وإعاقة إيصال الأدوية والمستلزمات الطبية إلى المناطق المتضررة.

وحذرت المنظمة من أن الظروف البيئية المصاحبة للأمطار تزيد من احتمالات انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، مثل الإسهالات الحادة والكوليرا وغيرها من الأمراض المعدية، خاصة في المناطق التي تعاني من ضعف خدمات المياه والصرف الصحي، وفي مواقع النزوح المكتظة بالسكان.

ويرى عاملون في المجال الإنساني أن تداخل عوامل النزوح والفقر وضعف البنية التحتية الصحية مع المخاطر الموسمية المرتبطة بالأمطار قد يخلق بيئة مثالية لظهور أزمات صحية واسعة النطاق إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لتعزيز قدرات الاستجابة.

وفي واحدة من أبرز المؤشرات على حجم الأزمة، كشفت المنظمة أن أكثر من 100 ألف شخص من النازحين والعائدين يعيشون حاليًا في موقع “الكرامة” الواقع على مشارف مدينة الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق.

ويواجه هؤلاء السكان تحديات كبيرة تتعلق بالحصول على الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية، وسط محدودية الموارد المتاحة للسلطات المحلية والمنظمات الإنسانية العاملة في المنطقة.

وتشكل الكثافة السكانية المرتفعة داخل الموقع مصدر قلق إضافي للجهات الصحية، إذ تزيد من احتمالات انتشار الأمراض المعدية وسوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن، وهي الفئات الأكثر هشاشة في أوقات الأزمات الإنسانية.

وفي مؤشر مقلق على تدهور الأوضاع المعيشية والصحية، أفادت أطباء بلا حدود بأن أكثر من 750 طفلًا أُدخلوا إلى برامج علاج سوء التغذية التابعة للمنظمة في مستشفى الدمازين خلال الربع الأول من عام 2026 فقط.

ويعكس هذا الرقم حجم الضغوط التي تتعرض لها الأسر النازحة والعائدة في ظل تراجع مصادر الدخل وارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي، إضافة إلى الصعوبات المرتبطة بالحصول على الخدمات الصحية الأساسية.

ويؤكد مختصون في الصحة العامة أن سوء التغذية لا يمثل أزمة غذائية فحسب، بل يرتبط كذلك بزيادة معدلات الإصابة بالأمراض وضعف المناعة وارتفاع احتمالات الوفيات بين الأطفال، خاصة عند تزامنه مع انتشار الأمراض المعدية أو محدودية الخدمات الطبية.

ورغم وجود نحو 200 مرفق صحي عامل في مختلف أنحاء إقليم النيل الأزرق وفقًا للتقارير المتاحة، فإن المنظمة تشير إلى أن عددًا كبيرًا من هذه المرافق يعمل في ظروف صعبة للغاية، حيث توجد العديد منها داخل مبانٍ قديمة أو متضررة نتيجة عوامل الزمن أو النزاعات السابقة.

وتعاني هذه المؤسسات من نقص في المعدات الطبية والأدوية والكوادر الصحية، الأمر الذي يقلل من قدرتها على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان، خصوصًا مع تزايد أعداد النازحين وارتفاع معدلات الأمراض الموسمية.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى مزيد من الضغط على المستشفيات الرئيسية في الإقليم، وفي مقدمتها مستشفى الدمازين، الذي أصبح يستقبل أعدادًا متزايدة من المرضى من مختلف المناطق.
دعوة إلى توسيع الاستجابة الإنسانية وفي ختام تحذيراتها، شددت منظمة أطباء بلا حدود على أن الأوضاع مرشحة لمزيد من التدهور خلال الأشهر المقبلة ما لم يتم توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية بصورة ملموسة وسريعة.

وأكدت المنظمة أن الاحتياجات الحالية تتجاوز بكثير حجم الموارد المتاحة، داعية الجهات المانحة والمنظمات الدولية والشركاء الإنسانيين إلى تعزيز الدعم المقدم للإقليم، سواء في قطاع الصحة أو الغذاء أو المياه والإصحاح البيئي.
كما دعت إلى اتخاذ خطوات عاجلة لتحسين قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة التحديات المقبلة، خاصة مع دخول موسم الأمطار واستمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالأوضاع الأمنية.

وبينما يواصل عشرات الآلاف من سكان النيل الأزرق مواجهة ظروف معيشية وإنسانية بالغة الصعوبة، تبدو التحذيرات الأخيرة بمثابة إنذار جديد للمجتمع الدولي بشأن الحاجة الملحة إلى تحرك سريع وفعال لمنع تحول الأزمة الحالية إلى كارثة إنسانية أوسع نطاقًا، قد تكون آثارها أكثر قسوة على الفئات الأكثر ضعفًا في الإقليم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.