Fajr Press

ترقية فخرية لمستشار إسرائيلي سابق تعيد فتح صفحات التحالف السري بين إسرائيل وحركة الأنانيا في جنوب السودان.

جوبا - فجر برس

في خطوة تحمل دلالات تاريخية وسياسية تتجاوز حدود التكريم الشخصي، منح رئيس جمهورية جنوب السودان، سلفا كير ميارديت، العسكري الإسرائيلي السابق ديفيد أوري بن أوزيئيل رتبة جنرال فخرية في قوات دفاع شعب جنوب السودان، تقديراً للدور الذي اضطلع به في دعم حركة “الأنانيا” خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهي المرحلة التي شكلت إحدى أهم محطات الكفاح المسلح في جنوب السودان قبل اتفاقية أديس أبابا عام 1972.

وجاء التكريم خلال مراسم رسمية احتضنها القصر الرئاسي في جوبا، حيث أُدرج بن أوزيئيل ضمن قائمة الضباط غير العاملين في القوات المسلحة، في خطوة وصفها مسؤولون بأنها تعكس وفاء الدولة لكل من أسهم في دعم قضية جنوب السودان خلال سنوات الحرب الطويلة.

ويُعرف بن أوزيئيل، البالغ من العمر 91 عاماً، باسمه الحركي “جون”، وهو أحد أبرز العسكريين الإسرائيليين الذين ارتبطت أسماؤهم بالدعم السري الذي قدمته إسرائيل لحركة الأنانيا الأولى بقيادة جوزيف لاقو، في مرحلة كانت تشهد صراعاً محتدماً بين الحكومة المركزية في الخرطوم والمتمردين في جنوب البلاد.

ويكشف هذا التكريم جانباً من تاريخ العلاقات بين جنوب السودان وإسرائيل، وهي علاقات بدأت قبل عقود من إعلان استقلال الدولة الوليدة عام 2011، عندما نسجت تل أبيب قنوات اتصال مع الحركات المسلحة الجنوبية، وقدمت لها أشكالاً متعددة من الدعم العسكري والاستخباراتي واللوجستي، ضمن استراتيجية إقليمية هدفت إلى توسيع نفوذها في منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل.

وبحسب المسؤولين في جوبا، لعب بن أوزيئيل دوراً محورياً في تدريب مقاتلي الأنانيا، كما أسهم في توفير الإمدادات الأساسية التي احتاجتها الحركة، بما في ذلك الأدوية والزي العسكري ومعدات الاتصالات، فضلاً عن الدعم اللوجستي الذي ساعد الحركة على مواصلة عملياتها في بيئة ميدانية معقدة.

وتشير السجلات التاريخية إلى أن العسكري الإسرائيلي قام بعدد كبير من الرحلات الميدانية داخل مناطق جنوب السودان، متنقلاً في كثير من الأحيان سيراً على الأقدام عبر تضاريس وعرة وغابات كثيفة، بهدف تعزيز التنسيق بين الوحدات المقاتلة، وتقوية جسور التعاون بين القيادات العسكرية والمجتمعات المحلية، في مرحلة كانت فيها البنية التحتية شبه معدومة، وكانت الاتصالات تمثل تحدياً كبيراً أمام قوات التمرد.

وخلال مراسم التكريم، استعاد بن أوزيئيل ذكريات تلك السنوات، مؤكداً أن وقوفه إلى جانب شعب جنوب السودان كان “شرفاً كبيراً”، مشيداً بما وصفه بإصرار الجنوبيين على مواصلة نضالهم من أجل الحرية وتقرير المصير، رغم الظروف القاسية التي أحاطت بتلك المرحلة.

أما الرئيس سلفا كير، فقد اعتبر أن منح الرتبة الفخرية لا يمثل تكريماً لشخص واحد فحسب، بل يعبر عن امتنان الدولة لكل من وقف إلى جانب شعب جنوب السودان في رحلته نحو الاستقلال، مشيداً بالدور الذي لعبته حكومة وشعب إسرائيل في تلك الحقبة، ومؤكداً أن الروابط التي تأسست خلال سنوات الكفاح لا تزال تشكل أحد المرتكزات التاريخية للعلاقات بين البلدين.

ويحمل هذا التكريم أبعاداً تتجاوز رمزيته العسكرية، إذ يعيد تسليط الضوء على مرحلة ظلت لسنوات طويلة جزءاً من التاريخ غير المعلن للصراع السوداني، حين تقاطعت الحسابات الإقليمية والدولية مع مسار الحرب الأهلية في جنوب السودان، وأسهمت قوى خارجية في رسم ملامح التوازنات العسكرية والسياسية داخل البلاد.

ويأتي التكريم في وقت تشهد فيه العلاقات بين جوبا وتل أبيب مستوى متقدماً من التعاون في عدد من المجالات، بينها الزراعة والأمن والتكنولوجيا، وهو ما يمنح هذه الخطوة بعداً سياسياً يعكس حرص القيادة الجنوب سودانية على تأكيد استمرارية تلك العلاقات، واستحضار جذورها التاريخية في المناسبات الرسمية.

ويرى مراقبون أن تكريم شخصيات أجنبية لعبت أدواراً في مراحل التحرير يمثل جزءاً من سياسة تتبناها جوبا لتوثيق الذاكرة الوطنية، وإبراز المحطات التي أسهمت في الوصول إلى الاستقلال، بما في ذلك الأدوار التي قامت بها شخصيات ودول دعمت الحركة الجنوبية في مراحل مختلفة من الصراع.

وفي المقابل، قد يعيد هذا الحدث إلى الواجهة النقاش حول طبيعة التدخلات الخارجية في النزاعات الإفريقية خلال حقبة الحرب الباردة، والدور الذي لعبته القوى الإقليمية والدولية في دعم أطراف الصراع، بما انعكس لاحقاً على مسارات التسويات السياسية وتشكيل الدول الجديدة.

وبينما ينظر جنوب السودان إلى هذه الخطوة باعتبارها رسالة وفاء لأحد داعمي مسيرته التاريخية، فإنها تمثل أيضاً تذكيراً بأن استقلال الدولة لم يكن نتاج نضال داخلي فحسب، بل جاء في سياق شبكة معقدة من التحالفات الإقليمية والدولية التي تركت بصمتها على تاريخ المنطقة، ولا تزال آثارها حاضرة في العلاقات السياسية والدبلوماسية حتى اليوم.

وبمنح ديفيد أوري بن أوزيئيل رتبة جنرال فخرية، لا تكتفي جوبا بتكريم رجل شارك في إحدى أكثر مراحلها حساسية، بل توجه رسالة تؤكد أن ذاكرة التحرير لا تزال حية في وجدان الدولة، وأن من وقف إلى جانبها في سنوات الحرب سيظل جزءاً من الرواية الوطنية التي تسعى إلى ترسيخها للأجيال القادمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.