Fajr Press

محاكمة الشرتاي “دوليب”بتهمة التعاون .. استخدام القضاء ضمن أسلحة الحرب.

متابعات - فجر برس

أعادت الأحكام القضائية الصادرة بحق مدنيين في مناطق سيطرة القوات المسلحة السودانية بتهم التعاون مع قوات الدعم السريع إلى واجهة النقاش العام، وسط تباين واسع بين من يرى فيها تطبيقاً للقانون في ظل ظروف الحرب، ومن يعتبر أن بعض هذه القضايا تستوجب فحصاً أكثر دقة لملابساتها، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمدنيين وجدوا أنفسهم تحت سلطة طرف مسلح خلال فترات سيطرته على مناطقهم.

وكانت محكمة جنايات أم درمان الأوسط، المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب، قد أصدرت حكماً بالسجن عشر سنوات بحق القيادي بالإدارة الأهلية الشرتاي بشرى محمود دوليب، بعد إدانته بعدد من التهم المرتبطة بالتعاون مع قوات الدعم السريع، من بينها مواد تتعلق بالجرائم الموجهة ضد الدولة والمعاونة والجرائم ضد الإنسانية.

وأثار الحكم ردود فعل متباينة، خاصة في ولاية غرب كردفان، حيث يتمتع دوليب بمكانة اجتماعية باعتباره أحد قيادات الإدارة الأهلية لقبيلة حمر، فيما اعتبرت هيئة الدفاع أن الحكم لا يعكس الوقائع التي صاحبت الأحداث التي شهدتها مدينة النهود عقب سيطرة قوات الدعم السريع عليها في مايو 2025.

وبحسب هيئة الدفاع، فإن القضية استندت بصورة رئيسية إلى مقطع فيديو ظهر فيه المتهم أثناء وجوده داخل مقر إمارة عموم قبائل دار حمر بعد دخول قوات الدعم السريع إلى مدينة النهود. ويقول محامي الدفاع مفرح حامد إن موكله لم يدل بأي تصريحات في المقطع، وإن ظهوره جاء بعد أن قامت قوات الدعم السريع بإحضار قيادات الإدارة الأهلية قسراً في إطار ما وصفه بمحاولة توجيه رسائل طمأنة للسكان الذين نزحوا من المدينة.

وأضاف الدفاع أن المحكمة اعتمدت على المقطع المصور باعتباره دليلاً للإدانة، معتبراً أن القضية خلت من شهود اتهام يثبتون وجود تعاون فعلي بين موكله وقوات الدعم السريع، مؤكداً أن هيئة الدفاع ستلجأ إلى محكمة الاستئناف للطعن في الحكم وفق درجات التقاضي المنصوص عليها في القانون.

وتشير رواية الدفاع إلى أن دوليب كان قبل سقوط النهود من المشرفين على عمليات الاستنفار الأهلي التي دعمت القوات المسلحة، كما أشرف على تسليح متطوعين ضمن جهود الدفاع عن المدينة، الأمر الذي جعله ـ بحسب الدفاع ـ هدفاً لقوات الدعم السريع التي سعت إلى ملاحقته عقب سيطرتها على المنطقة.

وتسلط هذه القضية الضوء على أحد أكثر الملفات تعقيداً منذ اندلاع الحرب في السودان، وهو مصير المدنيين الذين بقوا في المناطق التي تناوبت عليها السيطرة العسكرية بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع.

وفي كثير من المدن والبلدات، وجد موظفون حكوميون وقيادات أهلية وأعيان مجتمع أنفسهم مضطرين للتعامل مع السلطات القائمة بحكم الأمر الواقع لتسيير شؤون المواطنين أو حماية المجتمعات المحلية، وهو واقع يثير تساؤلات قانونية حول الحدود الفاصلة بين التعاون الطوعي مع طرف مسلح، وبين الأفعال التي تتم تحت الإكراه أو بدافع الحفاظ على الأرواح والممتلكات.

ويرى قانونيون أن الفصل بين هاتين الحالتين يمثل تحدياً أساسياً أمام القضاء، خاصة في ظل ظروف الحرب التي كثيراً ما تغيب فيها الأدلة المباشرة، وتتشابك فيها الوقائع مع الضغوط الأمنية والاجتماعية التي يتعرض لها المدنيون.

وتبرز قضية الشرتاي بشرى محمود دوليب ضمن سلسلة قضايا مشابهة شهدتها محاكم في مناطق سيطرة الجيش، حيث وُجهت إلى مدنيين اتهامات بالتعاون مع قوات الدعم السريع استناداً إلى ظهورهم في مناسبات عامة، أو مشاركتهم في اجتماعات عقدتها القوات المسيطرة على مناطقهم، أو استمرارهم في أداء وظائفهم أثناء فترة الاحتلال.

وفي المقابل، يؤكد مؤيدو هذه المحاكمات أن الدولة ملزمة بمحاسبة كل من يثبت تورطه في دعم أي جهة مسلحة أو تقديم العون لها، خصوصاً إذا ترتب على ذلك الإضرار بالأمن القومي أو المساهمة في ارتكاب انتهاكات بحق المدنيين.

غير أن مراقبين قانونيين يشددون على أن خطورة هذه القضايا تستوجب أعلى معايير الإثبات، وأن مجرد الظهور في تسجيل مصور أو التواجد في فعالية عامة لا يكفي وحده لإثبات المسؤولية الجنائية ما لم تدعمه أدلة أخرى تثبت توافر القصد الجنائي ووقوع فعل مجرم بنص القانون.

وتؤكد المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة على حق المتهم في مواجهة الأدلة المقدمة ضده، والاستفادة من قرينة البراءة، وإتاحة الفرصة الكاملة للدفاع للطعن في الأدلة وتقديم ما يدحضها أمام القضاء.

ولم تقتصر تداعيات الحكم على الجانب القانوني، بل امتدت إلى البعد الاجتماعي، إذ شهدت جلسات المحاكمة حضوراً كثيفاً من أبناء المنطقة الذين اعتبروا القضية تمس إحدى الشخصيات ذات الثقل الأهلي.

وأفادت هيئة الدفاع بأن الحكم قوبل بحالة من الاستياء وسط قطاعات من المواطنين الذين يرون أن المتهم لم يكن متعاوناً مع قوات الدعم السريع، بل كان من الشخصيات التي دعمت القوات المسلحة قبل سقوط المدينة، وهي رواية لا تزال محل نظر القضاء مع اتجاه الدفاع إلى استئناف الحكم.
ويعكس هذا التفاعل حجم التعقيدات التي أفرزتها الحرب داخل المجتمعات المحلية، حيث باتت كثير من الوقائع محل تفسيرات متباينة، بين من ينظر إليها باعتبارها تعاوناً مع سلطة الأمر الواقع، ومن يراها تصرفات فرضتها ظروف الإكراه التي صاحبت سيطرة الجماعات المسلحة على المدن.

ومع استمرار الحرب، يتوقع أن تتزايد القضايا المرتبطة باتهامات التعاون مع الأطراف المتحاربة، وهو ما يضع القضاء السوداني أمام مسؤولية كبيرة في الموازنة بين مقتضيات حماية الأمن الوطني وضمان عدم إدانة مدنيين لمجرد وجودهم في مناطق خرجت عن سيطرة الدولة أو تعاملهم مع سلطات الأمر الواقع تحت الإكراه.
وفي الوقت ذاته، يرى مختصون أن ترسيخ الثقة في العدالة خلال النزاعات المسلحة يظل رهيناً بتوفير محاكمات تتسم بالاستقلال والشفافية، وتعتمد على أدلة قوية وقابلة للفحص، بما يضمن محاسبة من تثبت مسؤوليته الجنائية، ويحمي الأبرياء من الوقوع ضحايا لظروف فرضتها الحرب.

وتبقى قضية الشرتاي بشرى محمود دوليب واحدة من القضايا التي تعكس حجم التحديات التي تواجه منظومة العدالة في السودان خلال هذه المرحلة، في ظل نزاع مسلح أعاد رسم الحدود بين مناطق السيطرة، وفرض على آلاف المدنيين أوضاعاً استثنائية ستظل آثارها القانونية والإنسانية محل نقاش طويل حتى بعد توقف القتال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.