Fajr Press

فى البدء .. كانت العبودية: الجذر الخفي للحروب الحديثة (1-3)

كتب - دكتور صابر أبو سعدية

المقدمة
العبودية هي من أكثر الأفكار التي أثرت في التاريخ البشري. كانت أحد أهم المحركات الكبرى للصراع البشري عبر التاريخ، خاصة عندما ارتبطت بالسيطرة على الأرض، ونهب الموارد، واستغلال العمل البشري، وبناء الإمبراطوريات.
تناقش هذه الورقة البحثية ظاهرة العبودية باعتبارها واحدة من أقدم النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي عرفتها البشرية، وتحلل جذورها التاريخية والفلسفية وعلاقتها بالحروب والصراعات الإنسانية. تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن العبودية لم تكن مجرد ممارسة اقتصادية قائمة على استغلال العمل البشري، بل كانت فلسفة متكاملة للهيمنة والسيطرة وإعادة إنتاج القوة داخل المجتمعات والإمبراطوريات. وايضا تتناول الورقة تطور مفهوم العبودية منذ المجتمعات الزراعية القديمة مروراً بالحضارات الكلاسيكية والتجارة العابرة للأطلسي وصولاً إلى أشكال العبودية الحديثة. كما تبحث الدراسة في كيفية استخدام الدين، والعرق، والقانون، والفلسفة لتبرير إخضاع الإنسان للإنسان. وتعتمد الورقة على المنهج التاريخي التحليلي لفهم العلاقة بين العبودية والحروب الاستعمارية التوسعية. وتخلص الدراسة إلى أن العبودية تمثل أحد أبرز تجليات فلسفة الهيمنة البشرية، وأن آثارها ما تزال حاضرة في أنماط الاستغلال المعاصر والتمييز الاقتصادي والاجتماعي.
كان الإنسان يُستعبد لأنه مهزوم، أو لأنه وُلد في أسرة غير حرة، أو لأنه دفع ثمناً لدين لم يسده. لم تكن العبودية في الحضارات القديمة مقتصرة على عرق أو لون، بل كانت ظاهرة إنسانية عامة امتدت من بلاد الرافدين إلى روما، ومن مصر شمالاً إلى شرق و غرب افريقيا. لكن ثمّة تحولاً جذرياً حدث في القرن الخامس عشر، حين تحولت العبودية من ظاهرة اقتصادية عابرة للأعراق إلى نظام عنصري شامل، يقوم على فكرة تفوّق عرق على آخر، ويبرر استعباد الإنسان بلون بشرته. هذا التحول، الذي صنعته قديما بعض الشعوب الشرقية و اخيرا شعوب أوروبا لتبرير مشروعها الاستعماري،: كيف تحولت العبودية إلى عنصرية؟ وما أثر هذا التحول على البشرية حتى يومنا هذا؟
غير أن العبودية تطورت إلى فلسفة قائمة على الهيمنة ترى أن بعض البشر يحق لهم امتلاك والسيطرة على بشر آخرين. وقد أسهمت هذه الفلسفة في إنتاج أنظمة سياسية واجتماعية غير متكافئة، كما لعبت دوراً محورياً في إشعال الحروب والاستعمار والصراعات عبر التاريخ.
المركز يتطلع الى اصدار سلسلة من الدراسات تتناول قضايا اشكاليات العبودية (العنصرية) فى افريقيا بوجوهها المختلفة. ان تاريخنا فى القارة يواجه حالة استلاب كاملة تقف به على حافة الكارثة. كان من الواجب العاجل انتزاع القارة من براثن مؤسسات التضليل الايديولوجى الاستعماري الان.
و قد راينا ان نحصر تناولنا الموضوع فى ثلاثة حلقات ، نبدا بالحلقة الاولى تحليل التاريخ و فلسفة و آثارالعلاقة بين العبودية والرأسمالية والاستعمار. ثم الحلقة الثانية العبودية فى شرق و شمال افريقيا. ومن ثم نختم تاريخ واثارالعبودية السودانية فى اشعال حروب بين الشعوب السودانية؟
إشكالية البحث: تتمثل إشكالية الدراسة في التساؤل الآتي: كيف نشأت العبودية تاريخياً؟ وما هي الأسس الفلسفية والسياسية والاقتصادية التي ساهمت في ظهورها واستمرارها؟ وكيف أثرت على الحروب والصراعات الإنسانية عبر التاريخ.
منهجية الدراسة: تعتمد هذه الدراسة على المنهج التاريخي التحليلي، والمنهج الفلسفي النقدي، بالاضافة تحليل الأدبيات المتعلقة بالعبودية والاستعمار والهيمنة.
الإطار النظري: تعتمد الدراسة على مجموعة من النظريات فى مقدمتها النظرية الماركسية في تفسير نشأة الرأسمالية و نظرية التبعية (Dependency Theory) و نظرية ما بعد الاستعمار (Postcolonial Theory) . ويرى Karl Marx أن التراكم الأولي لرأس المال تم عبر نهب المستعمرات بالسيطرة على الموارد ، و تجارة العبيد. بينما يؤكد مفكرو ما بعد الاستعمار مثل Frantz Fanon أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، بل مشروعاً لإخضاع الإنسان ثقافياً واقتصادياً.
الجذور القديمة للعبودية قبل العنصرة
في المجتمعات الأولى البدائية كان الإنسان يعيش في جماعات صغيرة تعتمد على الصيد وجمع الغذاء، لم تكن العبودية في العصور القديمة قائمة على اللون أو العرق. ففي الحضارتين اليونانية والرومانية، كان العبيد من أصول متعددة: إغريق، شعوب بربرية، سوريون، مصريون، وحتى إيطاليون. كان القانون الروماني يقر بشرعية العبودية، لكنها لم تكن مبنية على أساس عرقي.
كان العبد يُعتبر أداة ناطقة ، لكنه كان يشارك سيده في اللغة والدين والثقافة في كثير من الأحيان. إلا أن الحروب بين القبائل أدت إلى ظهور فكرة الأسر، حيث كان المنتصر يقرر مصير المهزومين. ومع تطور المجتمعات الزراعية ظهرت الحاجة إلى العمل الزراعي و بناء المدن و شق القنوات واستخراج المعادن. وهنا بدأ تحويل الأسرى إلى قوة عمل دائمة.
اعتمدت الحضارة اليوناني والروماني اقتصادياً بصورة كبيرة على العبيد، خاصة في الزراعة و المناجم و البناء، والخدمة المنزلية. وقد برر الفيلسوف ارسطو Aristotle العبودية من خلال مفهوم “العبد الطبيعي”، معتبراً أن بعض البشر خُلقوا ليكونوا تابعين لغيرهم.
جذور الفكرة العنصرية في الثقافة القديمة
مع ذلك، لم تخلُ الحضارات القديمة من نزعات تمييزية. في الثقافة الهيلينية، اعتبر اليونانيون أنفسهم متحضرين ووصفوا غيرهم بـ”البرابرة”، وهو مصطلح يعني أصلاً من لا يتكلمون لغتنا . كما شاعت في الحضارتين الرومانية واليونانية تصنيفات عرقية قائمة على اللون، حيث ارتبط اللون الأبيض بالقيم الإيجابية، بينما اقترن الأسود بالموت والجحيم. لكن هذه النزعات لم تتحول بعد إلى نظام شامل. فالتحول الجذري حدث مع الاستعمار الأوروبي وتجارة الرقيق عبر الأطلسي، حيث تحول التمييز إلى أيديولوجيا متكاملة تبرر الاستعباد. و عبر الساحل الشرقى لافريقيا الى الخليج العربى في تلك المرحلة ارتبطت العبودية في العالم الجديد باللون الأسود، أي إنهم – الاوروبين تأخَّروا كثيراً عن العرب الذين ربطوا العبودية باللون الأسود منذ أكثر من ألف وخمسمئة عام، ولعلَّ سيرة عنترة بن شداد كانت وما زالت هي الأكثر شهرة على هذا الصعيد.
لا يحتاج المرء إلى مزيد من الجهد والتقصّي ليدرك أن ثقافة العربية مليئة بشواهد ازدرائها لذوي البشرة السوداء. حتى في أيامنا، الثقافة العربية لم تكترث بأسباب العبودية، بل اعتبرتها طبيعة شخصية موسومة بصفات وأخلاق مرذولة أصلاً وفصلاً، الأمر الذي يُعتبَر وفق مرجعيات العصر مؤشراً صارخاً على العنصرية، “سوّد الله وجهه.. بيّض الله وجهه”، وفي كلتا الحالتين عنصرية ضد أصحاب البشرة السوداء. سيقول بعضهم إن سواد وبياض الوجه كناية قرآنية (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ)، وأقول إن هذه الكناية تحاكي النظرة العربية الواقعية، فهي مشتقَّة منها لتخاطب أصحابها بلغتهم، وإلا لما كان للكناية من معنى. المتنبي الذي كان يطمح في أن يكون نبياً، والمملوء شعره بالحِكَم، يرى أن العبيد أنجاس مناكيد. إنه نموذج بالغ الدلالة على الثقافة العربية في عصره. والأنكى أن كثيرين ما زالوا يفكرون بهذه العقلية.
تحول العبودية إلى نظام عنصري – كيف حدث؟
شهد العالم مع بداية الاستعمار الأوروبي في القرن الخامس عشر، بدأت شبه جزيرة إيبيريا (البرتغال وإسبانيا) تنظم تجارة الرقيق ضمن سياساتها الاستعمارية. لكن التحول الكبير حدث عندما انتقلت العبودية إلى الأمريكتين، حيث بدأت تأخذ مساراً عنصرياً واضحاً، وأصبحت مقتصرة بالكامل على الأفارقة، لم يكن هذا التحول فورياً، بل فُرض بطريقة تدريجية:
في البداية، حاول الأوروبيون استغلال السكان الأصليين للأمريكتين عبر نظام “العهدة”، الذي أبقى السكان الأصليين في حالة من العمل القسري تحت غطاء “التبشير” (Civilize Mission). لكن السكان الأصليين هلكوا بأعداد كبيرة بسبب الأمراض الأوروبية، مما دفع المستعمرين إلى البحث عن مصدر بديل للعمالة فى أفريقيا .
هكذا، أصبح السود المصدر الرئيسي للعمالة المستعبدة، ومع هذا التحول، تطورت أيديولوجيا عنصرية شاملة تبرر استعبادهم. فقد صيغت نظريات بيولوجية وثقافية ودينية تزعم تفوق الجنس الأبيض، وتحولت هذه النظريات إلى قوانين وممارسات، لم تكن مجرد تمييز فردي، بل نظاماً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً متكاملاً.
تحولت العبودية إلى نظام اقتصادي عالمي يخدم مصالح الرأسمالية الناشئة. كما لعب الاستعمار دور الوسيط الذي وفر الأرض والموارد والعمالة الرخيصة لتحقيق التراكم الرأسمالي. و عليه فلسفة العبودية، هى فلسفة القوة والهيمنة ، قامت العبودية على افتراض أن القوي يمتلك حق السيطرة على الضعيف. وقد شكلت هذه الفكرة الأساس الفلسفي للإمبراطوريات القديمة.
مع مرور الزمن، ظهرت تبريرات فكرية فلسفة “الإنسان الأدنى” التى تعتبر بعض الشعوب أقل تحضراً، و أقل إنسانية، أو مخلوقة للخدمة. وقد استخدمت هذه الأفكار لاحقاً لتبرير الاستعمار، و تُعد كواحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث.
قانون الرق في بربادوس: نموذج التحول المؤسسي
في عام 1661، أصدر الإنجليز في بربادوس (الكاريبي) قانوناً شاملاً عرف الأفارقة باعتبارهم “وثنيين” و”متوحشين” لا يمكن أن يُحكموا بالقوانين نفسها التي تحكم المسيحيين . وقد شرع المشرعون في تعريف الأفارقة باعتبارهم من غير البشر، وأنهم شكل من أشكال الملكية يملكها المشترون وورثتهم إلى الأبد. هذا القانون انتشر في جميع أنحاء منطقة البحر الكاريبي، وأصبح نموذجاً للرق في مستعمرات أمريكا الشمالية التي أصبحت فيما بعد الولايات المتحدة .
بهذا، تحولت العبودية من ممارسة اقتصادية إلى نظام قانوني عنصري، جعل الإنسان الأسود “ملكية” وليس إنساناً، وأسس لهذا التصنيف أيديولوجية شاملة من التفوق الأبيض والتمييز المؤسسي.
أيديولوجيا التفوق الأبيض: بناء النموذج الآري
في هذه الفترة، ظهر ما يسمى بـ “النموذج الآري ” الذي بُني من خلال تجاهل التأثيرات التي تركتها الثقافات السامية والأفريقية على الحضارة اليونانية القديمة، واعتبار الحضارة اليونانية ذاتية المنشأ، والنواة النقية للحضارة الأوروبية. هذه العملية، التي أطلق عليها مارتن برنال في كتابه “أثينا السوداء” اسم “اختلاق الحضارة اليونانية القديمة” ، هي التي ساعدت في بناء فكرة تفوق الجنس الأبيض، وكل الأحداث التي ترتبت عليها لاحقاً.
أشكال العنصرية الحديثة – العنصرية كحرباء
لم تختف العنصرية بانتهاء العبودية رسمياً. لقد تحولت، وظهرت في أشكال جديدة أكثر تعقيداً. ما يُعرف اليوم بالعنصرية الحديثة هي تلك الأشكال التي تعبر عن الكراهية والتمييز بطرق خفية وأكثر قبولاً اجتماعياً. في سبعينيات القرن الماضي، طور باحثون أميركيون نظريات لتفسير هذه الظاهرة، التي أصبحت تعرف بأسماء متعددة:
العنصرية المتناقضة: وهى ان يمتلك الفرد مشاعر متناقضة تجاه المجموعة الأخرى: إيجابية في الظروف التي تتطلب ظهار المساواة، وسلبية عندما تتعلق الأمور بقيم العمل والانضباط.
العنصرية الرمزية: هو ان يعبر الشخص عن كراهيته بشكل مستتر، أو يضمنها في اعتقادات تبدو غيرعنصرية، مثل تفسير الفقر بأنه ناتج عن الكسل وليس عن معاملة غير عادلة.
العنصرية الحديثة: تبرير اضطهاد الأقليات باعتبار أنها تهدد الازدهار الاقتصادي وفرص العمل.
العنصرية البغيضة: الشخص يدعم المساواة ظاهرياً، لكن لديه مشاعر سلبية كامنة عند التواصل مع الأقليات ، فيميل إلى تجنب الاختلاط أو الحفاظ على المسافة.
هذه الأشكال الخفية من العنصرية هي الأكثر خطورة، لأنها تجعل الضحية يشك في نفسه: هل أنا ضحية عنصرية أم أن المشكلة فيّ؟
أثر تحول العبودية إلى عنصرية على البشرية
من أبرز آثار تحول العبودية إلى نظام عنصري هو التفاوت الاقتصادي بين الدول والشعوب. فتجارة الرقيق عبر الأطلسي لم تكن مجرد جريمة أخلاقية؛ بل كانت نظاماً اقتصادياً عالمياً قائماً على تحويل البشر إلى سلع، مما أثر في قدرة المجتمعات الأفريقية على التنمية لقرون . وقد وصف الأمين العام للأمم المتحدة هذه الظاهرة بأنها “استخراج جماعي للموارد البشرية”، إذ فقدت المجتمعات الأفريقية أجيالاً كاملة من سكانها.
وهذا التفاوت لم ينتهِ بانتهاء العبودية، بل استمر في أشكال أخرى: فجوة في التعليم، في الصحة، في فرص العمل، وفي الوصول إلى الثروة. لا تزال منطقة البحر الكاريبي، على سبيل المثال، التي كانت في قلب نظام العبيد، تعاني من الفقر المستدام، الأمية، سوء التغذية، والتفاوت الاجتماعي والعرقي الشديد الذي ورثته عن العبودية.( (UN
التمييز المؤسسي والعنصرية البنيوية
تحول العبودية إلى نظام عنصري أسس لـ تمييز مؤسسي استمر حتى بعد إلغاء العبودية رسمياً. فقوانين الفصل العنصري في الولايات المتحدة (جيم كرو)، ونظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا، هي امتداد مباشر للأيديولوجيا العنصرية التي نشأت لتبرير العبودية. وبينما اختفت هذه الأنظمة صراحةً، بقيت آثارها في التمييز الضمني، والعنصرية المؤسسية، التي ما تزال تؤثر على فرص السود في التعليم، العمل، السكن، والعدالة الجنائية.
العبودية في العصر الحديث
قد لا تكون العبودية التقليدية موجودة رسمياً في معظم دول العالم، لكن أشكالاً جديدة من الاستغلال ظهرت تعيد إنتاج نفس المنطق. في دول الخليج العربية، على سبيل المثال، لا تزال ممارسات العمل القسري على نطاق واسع، حيث يخضع ملايين العمال المهاجرين لظروف عمل قاسية، ويتم تجريدهم من جوازات سفرهم، ولا يمكنهم مغادرة البلاد أو تغيير وظائفهم دون إذن من أصحاب العمل في ما يُعرف بـ نظام الكفالة.
وفي موريتانيا، ما تزال بقايا العبودية التقليدية قائمة، حيث ما يزال يُنعت بعض السكان من ذوي البشرة السمراء بألفاظ مثل “عبيد” وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 50% من الموريتانيين من أصول مستعبدة، لكنهم ما زالوا يعانون من التهميش الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. هذا الواقع يثبت أن العبودية لم تختفِ، بل تحولت واستمرت في ظل أنظمة قانونية واقتصادية جديدة .
في دراسة من الكتاب “من العبودية القديمة إلى العبودية الحديثة”، بدأته باتريسا بفكرة مفادها أنه لا يمكن الحديث عن مجتمعات استعباد حقيقية إلا إذا كان استخدام العبيد يؤثر على المسار الاقتصادي فيها، ذلك أن عدد العبيد ليس وحده العامل الذي يميز بين مجتمع وآخر، وإنما الدور الرئيس الذي يلعبه هؤلاء العبيد في دفع عجلة الإنتاج الاقتصادي.
السؤال كيف نعالج الجدل الفكرى حول العبودية، ترى باتريسا أن الإدانة الرسمية عبر عنها جون بودان، والذي انطلق من تحليل العبودية القديمة اليونانية والرومانية، وتلك المعاصرة له والمتعلقة بالهنود الحمر والسود. تقول باتريسا: “بالنسبة إلى بودان، الذي يعتبره بعض الدارسين مؤسس النزعة العلمانية المناهضة للعبودية، تُعد ممارسة العبودية نقيضاً لقانون الله، وليست مشروعة حتى في حقوق الحرب العادلة: فقط المنافقون يسمحون لأنفسهم بالعثور على تبريرات دينية لممارسة من شأنها أن تدفع إلى الانتفاضات، وأن تكون مصدر خطر على استقرار النظام السياسي”.
اما عن موقف التنوريين، وذكرت هنا أن المؤرخين اتفقوا فيما بينهم على أن القرن الثامن عشر كان القرن الذي شهد تفجر الجدل، ولكنهم لم يتفقوا على تفسير العلاقة بين التنوير والعبودية. هنا تذكر باتريسا بعض المواقف من العبودية كي توضح العلاقة بين التنوير والعبودية، حيث انطلقت من مونتسكيو الذي عبر في كتابه الخامس عشر حول “روح القوانين”، عن إدانة واضحة للعبودية “من المستحيل بالنسبة إلينا أن نتحمل كون هؤلاء بشر؛ لأنه إذا افترضنا آدميتهم، سيحملنا ذلك على الاعتقاد بأننا لسنا مسيحيين”. ونفس الموقف اتخذه جان جاك روسو في “العقد الاجتماعي” عام 1762، حيث كانت إدانته صريحة “إن التخلي عن الحرية يعني التخلي عن الصفة الآدمية للشخص، وعن حقوق الإنسان بل وعن الواجبات الشخصية… لا يوجد شيء يدعى حق العبودية، ليس فقط لأن هذا غير شرعي، ولكن لأنه أمر عبثي أيضاً ولا معنى له. هاتان الكلمتان: عبودية وحق، كلمتان متناقضتان، فكل منهما تلغي الأخرى”.
تخلص باتريسا هنا إلى أنه يمكن من خلال محاولة الوصول إلى موازنة إجمالية بشأن الحوار التنويري حول العبودية، أن نستنتج أن هذا الحوار نضج تدريجياً في القرن الثامن عشر، وأنه، بغض النظر عن الإدانة العامة، كان يتراوح بين اقتراحات مختلفة: الإلغاء التدريجي، الذي كان يميل إليه التنويريون بصفة عامة أكثر من الإلغاء الفوري في محاولة للاحتفاظ بالسيطرة على المستعمرات. إن التفكير التنويري حول العبودية في رأي باتريسا شكل تحولاً في تاريخ الفكر الغربي. ليس فقط لأن الإدانة الجذرية للعبودية على المستوى النظري قد نضجت داخل الثقافة الفلسفية، أو لأن التحول من مجرد رفض أخلاقي إلى رفض ذي طابع سياسي قد تم في هذه الأجواء، بل، وهو الأهم؛ لأن إعلان تلك الإدانة جاء ليس باسم خلاص النفوس، ولكن باسم حق الحرية لمن يعمرون البسيطة، في إطار العدالة الأرضية للإنسانية دون استثناء.
فعلى سبيل المثال، تذكر باتريسا أنه قد سادت فكرة منذ بداية القرن التاسع عشر إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، وانتشرت انطلاقاً من النموذج الإنجليزي بأن ما حدث كان نتيجة انتشار التيارات الإنسانية والخيّرة. دشّن انطلاق تلك المناقشة المؤرخ الماركسي إيريك ويليامز الذي لفت الانتباه، في كتابه “الرأسمالية والعبودية” (1944)، إلى التغيرات الاقتصادية ليشير إلى أن العبودية أُبطِلت إما بسبب أنها لم تعد تدرُّ ربحاً في مرحلة تدهور مزارع جزر الكارييب، أو بسبب أنها لم تعد ضرورية في إطار التطور الصناعي الذي نقل مركز الجاذبية من المستعمرات إلى الوطن الأم. أعتقد أن قراءة ويليامز قراءة غير دقيقة ومتجاهلة الواقع؛ فالعتق ليس بسبب ما ذهب إليه، بل هو نتيجة حدوث وعي بضرورة القطع مع العبودية وإنهاء استغلال البشر.
وفيما يتعلق بطريقة التوصل في وقت لاحق إلى قمع العبودية يمكن الاعتراف، على المستوى الغربي، بوجود نموذج أنجلو- أمريكي تميز بدعاية جماهيرية وبمشاركة واسعة للرأي العام، فضلاً عن وجود نموذج القارة الأوروبية التي يبدو فيها العتق ثمرة التزام مجموعة مختارة قائمة على السلطة، أي نتاج الجدل والاختيارات البرلمانية. وترى باتريسا أنه لا بد من الإشارة إلى أن العتق في بريطانيا، الذي شرَّعه “قانون إلغاء العبودية” الصادر في 28 أغسطس 1833، كان بالفعل الثمرة المبكرة للحركة المناهضة للعبودية وبشكل منظم، تلك الحركة التي عملت في بيئة تميزت بوجود تراث طويل من حرية الصحافة.
وفي الخاتمة خلصت باتريسا إلى الإجراء الذي قاد الغرب إلى القضاء على العبودية في غضون القرن التاسع عشر نتيجة عوامل متنوعة: منها التغيرات الاقتصادية التي تضمنت انتقال سياسات الاستعمار نحو عوالم جديدة، وبصفة خاصة نحو قارة آسيا، حيث كان يمكن العثور على أيد عاملة حرة من الناحية القانونية أجرها ضئيل وتعمل بالتعاقد، ومنها التطورات الحادثة في مسار النزعة التحريرية أيضاً، ومن ثم نحو الديمقراطية التي زادت من تناقض وجود عبودية على أسس عرقية. ونضيف نشوء وعي شبه جماعي، لم يطق رؤية الإنسان وهو محروم من الحرية ومن أبسط ظروف العيش الكريم.
آثار نفسية وثقافية عميقة
العنصرية التي نشأت عن العبودية لم تؤثر فقط على الاقتصاد والسياسة، بل تركت آثاراً نفسية عميقة على الأفراد والمجتمعات. فقد خلقت عقدة النقص لدى المستعبدين، وعقدة التفوق لدى المستعمرين. ولا يزال الحديث عن العبودية والعنصرية يثير مشاعر الخجل والذنب، خاصة في المجتمعات التي كانت طرفاً في هذه الجريمة.
في الخليج العربي، على سبيل المثال، لاحظ الباحثون أن ذكر أسماء العائلات التي تنحدر من عبيد تم تحريرهم يعد أمراً يعاقب عليه القانون في الكويت. هذا الصمت الثقافي هو أحد أخطر أشكال استمرار العبودية، لأنه يحول الجريمة إلى وضع مألوف لا يمكن مناقشته.
حركات المقاومة والعدالة التعويضية
في المقابل، أثارت هذه الآثار العميقة حركات مقاومة قوية. فثورة هايتي (1804) كانت أول ثورة للعبيد الناجحة في التاريخ، وأنتجت أول دولة حرة للسود على مستوى العالم . وما تزال حركات مثل حياة السود مهمة (Black Lives Matter) . وحركة تسقط روديسيا بجنوب افريقيا ( (Rhodes Must Fall مستمرة في النضال ضد العنصرية المؤسسية، متجذرة في تاريخ طويل من المقاومة.
على المستوى الدولي، شهد العالم في مارس 2026 اعتراف الأمم المتحدة رسمياً بأن تجارة الرقيق عبر الأطلسي كانت “أفظع جريمة ضد الإنسانية”، ودعا القرار إلى خطوات نحو العدالة التعويضية، بما في ذلك الاعتذار وإعادة الممتلكات الثقافية والنظر في التعويضات . لكن هذا الاعتراف، رغم أهميته، لا يزال يواجه تحديات كبيرة، خاصة من الدول الأوروبية التي امتنعت عن التصويت على القرار.
خاتمة
تحول مفهوم العبودية إلى عنصرية هو قصة التحول الأكثر دموية في التاريخ الحديث. فما كان مجرد استغلال اقتصادي تحول إلى أيديولوجيا شاملة، ثم إلى نظام قانوني، ثم إلى ثقافة متجذرة في الوعي الجماعي، وأخيراً إلى أشكال خفية من التمييز لا تزال تعصف بمجتمعاتنا. هذا التحول لم يؤثر فقط على أفريقيا وأبنائها، بل أسس لـ عالم لا تزال آثاره تعصف به حتى اليوم.
سؤالنا اليوم ليس فقط: كيف حدث هذا التحول؟ بل: كيف يمكننا تفكيك آثاره التي ما زالت حاضرة في السياسة، الاقتصاد، الثقافة، وحتى النفس البشرية؟ وكيف يمكننا مواجهة العنصرية الحديثة التي ترتدي أقنعة جديدة وتتحدث بلغة جديدة لكن جوهرها واحد: استمرار تقسيم البشر إلى “أعلى” و”أدنى”؟
العنصرية ليست مجرد كراهية شخصية، بل هي نظام معرفي وأيديولوجيا تم بناؤها عبر قرون لتبرير الاستغلال والإبادة. تفكيكها يتطلب وعياً تاريخياً، ونقداً للمؤسسات، وشجاعة لمواجهة الصمت الذي يحيط بهذا الإرث. كما قال أمين متحف “بيت العبيد” في جزيرة غوري، السنغال ” :قصص العبودية يجب أن تروى لكل الأطفال… لأن العبودية لا تخص أفريقيا فقط، إنها تتعلق بالبشرية جمعاء” .
الاعتراف بالجريمة هو الخطوة الأولى نحو العدالة. ولكن كما جاء في منشور حول قضية العبودية في موريتانيا ” :الاعتراف العالمي خطوة مهمة، لكنه لا يكفي… فالعدالة لا تتحقق بالبيانات، بل بالإجراءات” .

المراجع:
1. Amin, Samir. Unequal Development.
2. Blackburn, Robin. The Making of New World Slavery.
3. Davis, David Brion. The Problem of Slavery in Western Culture.
4. Fanon, Frantz. Black Skin, White Masks. The Wretched of the Earth.
5. Finley, Moses. Ancient Slavery and Modern Ideology.
6. Lovejoy, Paul. Transformations in Slavery.
7. Marx, Karl. Capital.
8. Patterson, Orlando. Slavery and Social Death. Harvard University Press.
9. Rodney, Walter. How Europe Underdeveloped Africa.
10. Said, Edward. Orientalism.
11. Williams, Eric. Capitalism and Slavery.
12. الكتاب “من العبودية القديمة إلى العبودية الحديثة”، بدأته باتريسا

 

دكتور صابر ابوسعدية (افريكا)
(المدير التنفيذى لمركز ابنتو للسلام و الدراسات الاستراتيجية)
18 اغسطس

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.