دخل النزاع القانوني بين الصحفي السوداني حسين سعد وإدارة راديو دبنقا مرحلة جديدة، بعد شروعه في اتخاذ إجراءات قضائية أمام المحاكم الهولندية للطعن في قرار إنهاء خدمته، في قضية يُنتظر أن تثير نقاشًا أوسع حول حقوق الصحفيين العاملين في المؤسسات الإعلامية الدولية خلال أوقات النزاعات المسلحة، وحدود مسؤولية أصحاب العمل تجاه موظفيهم في الظروف الاستثنائية.
وبحسب المعلومات الواردة من هيئة الدفاع عن حسين سعد، فإن فريقه القانوني تقدم بمذكرة قانونية يطلب فيها إلغاء قرار الفصل الصادر في أكتوبر 2023، وإنصاف موكلهم وفقًا للإجراءات القانونية المعمول بها في هولندا، باعتبار أن العلاقة التعاقدية تخضع للقوانين الهولندية ذات الصلة.
وتستند الدعوى، بحسب مذكرة الدفاع، إلى أن قرار الفصل جاء في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023، وما ترتب عليها من نزوح واسع، وتدهور للأوضاع الأمنية، وانقطاع متكرر لخدمات الاتصالات والكهرباء، وهي عوامل يقول الدفاع إنها أثرت بصورة مباشرة على قدرة الصحفيين والعاملين في المؤسسات الإعلامية على أداء مهامهم بصورة طبيعية.
وتشير الوقائع إلى أن حسين سعد التحق بالعمل في راديو دبنقا عام 2015، وظل يؤدي مهامه الصحفية من العاصمة الخرطوم، قبل أن يضطر إلى مغادرتها بسبب الحرب، لينتقل إلى ولاية الجزيرة في يونيو 2023 ضمن موجات النزوح التي شهدها السودان.
ويقول فريق الدفاع إن موكلهم ظل يواجه ظروفًا قاهرة صاحبت الحرب، من بينها صعوبة التنقل، وتعطل وسائل الاتصال، وتراجع الخدمات الأساسية، وهي ظروف كان ينبغي ـ بحسب المذكرة القانونية ـ أن تؤخذ في الاعتبار عند تقييم أدائه الوظيفي أو اتخاذ أي قرار يتعلق باستمرار علاقة العمل، وفي أكتوبر 2023، صدر قرار بإنهاء خدمة حسين سعد، وهو القرار الذي أصبح الآن محل نزاع أمام القضاء الهولندي.
ويرى فريق الدفاع أن القضية لا تتعلق فقط بقرار فصل موظف، وإنما بمدى التزام صاحب العمل بالضمانات القانونية والإجرائية في حالات القوة القاهرة والظروف الاستثنائية.
وتشير المذكرة القانونية إلى أن إنهاء الخدمة لم يراعِ، من وجهة نظر الدفاع، الظروف الإنسانية والأمنية التي فرضتها الحرب، كما أنه لم يستوفِ الضمانات القانونية المطلوبة قبل اتخاذ القرار.
وأوضح المحامون أن الدعوى تستند إلى مبادئ قانون العمل الهولندي، إضافة إلى الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحماية حقوق العاملين، والتي تنظم العلاقة بين أصحاب العمل والموظفين، خاصة في الحالات التي تؤثر فيها ظروف خارجة عن إرادة العامل على قدرته في أداء التزاماته الوظيفية.
وفي تطور لاحق، منحت المذكرة القانونية إدارة راديو دبنقا مهلة أربعة عشر يومًا للرد على ما ورد فيها.
وبحسب المعلومات المتوفرة، طلب فريق الدفاع عن راديو دبنقا، قبل انتهاء المهلة المحددة، تمديد الفترة الزمنية الممنوحة له من أجل دراسة القضية بصورة متأنية، تمهيدًا لتقديم رده القانوني على ما ورد في مذكرة حسين سعد.
ويعكس هذا الإجراء أن القضية لا تزال في مراحلها الأولية، وأن المحكمة لم تصدر حتى الآن أي قرار بشأن موضوع النزاع، فيما ينتظر أن تتحدد الخطوات المقبلة بعد استكمال تبادل المذكرات القانونية بين الطرفين.
وتكتسب القضية أهمية خاصة لأنها تطرح تساؤلات حول كيفية تعامل المؤسسات الإعلامية الدولية مع موظفيها العاملين في مناطق النزاعات المسلحة، ومدى تأثير الظروف الأمنية والإنسانية على الالتزامات التعاقدية بين الطرفين.
ومن المتوقع أن ينظر القضاء الهولندي في عدد من الجوانب، من بينها مدى مشروعية قرار الفصل، وما إذا كانت الظروف التي عاشها الصحفي خلال الحرب تشكل مبررًا قانونيًا يستوجب معاملة مختلفة، فضلًا عن مدى التزام المؤسسة بالإجراءات القانونية التي يفرضها قانون العمل الهولندي.
وربما تتناول المحكمة، عند نظرها في القضية، طبيعة العلاقة التعاقدية، والإجراءات التي سبقت قرار الفصل، ومدى توافقها مع المبادئ القانونية المنظمة لعلاقات العمل.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: من الذي سيكسب هذا الرهان القانوني؟ الإجابة في هذه المرحلة تظل رهينة بما ستقدمه الأطراف أمام المحكمة من مستندات وأدلة قانونية، إذ إن مجرد إقامة الدعوى لا يعني بالضرورة صحة جميع الادعاءات الواردة فيها، كما أن قرار الفصل لا يُعد في حد ذاته دليلاً على سلامة الإجراءات القانونية التي سبقته.
وفي المقابل، فإن رد راديو دبنقا المنتظر قد يتضمن مبررات قانونية وإدارية تستند إليها المؤسسة للدفاع عن قرارها، وهو ما يجعل الفصل في القضية من اختصاص القضاء وحده، بعد دراسة دفوع الطرفين والوقائع والوثائق المقدمة.
ومهما تكن النتيجة النهائية، فإن هذه القضية تمثل اختبارًا مهمًا لكيفية تطبيق قوانين العمل في ظل النزاعات المسلحة، ولحدود مسؤولية المؤسسات الإعلامية تجاه صحفييها العاملين في بيئات شديدة التعقيد، حيث تتداخل الاعتبارات القانونية مع الأوضاع الإنسانية التي فرضتها الحرب في السودان.
وإلى أن تصدر المحكمة الهولندية حكمها، ستظل القضية مفتوحة على جميع الاحتمالات، فيما يترقب الوسط الصحفي والحقوقي ما ستسفر عنه الإجراءات القضائية، ليس فقط لما تمثله بالنسبة للطرفين، وإنما أيضًا لما قد تتركه من أثر على مستقبل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية الدولية والعاملين لديها في مناطق النزاعات والأزمات.