من الحوار إلى المشروع الوطني: هل يستطيع السودان الخروج من نفق الأزمة؟ قراءة نقدية في خطاب الحوار الوطني وأزمة المشروع السياسي في السودان.
كتب - أدم مكرم
هذه هي المرة الأولى التي أجد نفسي أكتب فيها مقالًا ينطلق من مقال آخر، لا بقصد الرد على صاحبه أو مجادلته، وإنما لأن فكرة وردت فيه استوقفتني، وربما لأنها تلامس واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في السودان اليوم: كيف يمكن أن نخرج من النفق المظلم الذي انتهت إليه الدولة والمجتمع والحرب؟
استوقفني في مقالات الدكتور /الشفيع خضر سعيد حول الحوار الوطني أنها تعيد طرح سؤال كاد الخطاب السياسي السوداني أن يفقد القدرة على طرحه: هل ما زال الحوار ممكنًا؟ وإذا كان ممكنًا، فما الذي ينبغي أن يكون موضوعه، وما الذي نريده منه؟
هذه الأسئلة، في تقديري، تستحق التوقف عندها. ليس لأن الحوار وحده يمتلك مفتاح الخروج من الأزمة، وإنما لأن مجرد إعادة التفكير فيه تعني الاعتراف بأن السودان لا يستطيع أن يواصل إدارة أزماته بالطريقة ذاتها التي أنتجتها.
لكن قيمة السؤال لا تعني بالضرورة كفاية الإجابة.
وهنا تبدأ المراجعة النقدية.
من أزمة الحوار إلى أزمة الخطاب السياسي
المشكلة السودانية ليست في غياب الدعوات إلى الحوار. فقد عرف السودان، منذ الاستقلال، مؤتمرات وموائد تفاوض ومبادرات ومواثيق واتفاقيات سلام وحوارات وطنية لا يكاد سجلها السياسي يخلو منها.
المشكلة أن معظم هذه العمليات ظلت تتحرك داخل المعادلة السياسية ذاتها التي أنتجت الأزمة.
ولهذا فإن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس: لماذا فشل الحوار السوداني؟
بل: لماذا ظل الحوار نفسه عاجزًا عن إنتاج تغيير في الشروط التي تجعل الفشل يتكرر؟
هنا نصل إلى أزمة أعمق من أزمة الحوار؛ إنها أزمة في الخطاب السياسي السوداني نفسه.
فهذا الخطاب اعتاد أن يتحدث عن إسقاط الأنظمة، وتقاسم السلطة، وترتيبات الانتقال، والانتخابات، والجيش والدعم السريع، والتحالفات السياسية، لكنه كثيرًا ما عجز عن الإجابة عن السؤال الأكبر:
ما الدولة التي نريد بناءها؟
لقد أصبحنا بارعين في تعريف ما نرفضه، وأقل قدرة على تعريف ما نريد.
نعرف كيف نسقط نظامًا، لكننا لا نعرف بالقدر نفسه كيف نبني نظامًا بديلًا.
نعرف كيف ننتقد الحرب، لكننا لم ننتج بعد تصورًا وطنيًا متكاملًا يمنع إعادة إنتاج شروط الحرب.
نعرف أن السودان متعدد الثقافات والأعراق والأديان والمناطق، لكننا لم ننجح في تحويل هذا التنوع من مصدر للصراع إلى أساس لعقد اجتماعي جديد.
وهذه، في تقديري، هي المعضلة المركزية.
الحوار ليس مشروعًا وطنيًا
من المهم التمييز بين الحوار باعتباره أداة وبين المشروع الوطني باعتباره غاية.
الحوار وسيلة. أما المشروع الوطني فهو الإجابة عن سؤال: كيف نريد أن تكون الدولة والمجتمع والاقتصاد والعلاقة بين المركز والأقاليم والمؤسسات العسكرية والمدنية والحقوق والحريات في السودان الجديد؟
إذا غاب هذا التصور، فإن الحوار يصبح قابلًا للتحول إلى مجرد آلية لإدارة الأزمة بين النخب.
وهنا تكمن خطورة بعض التجارب السودانية السابقة.
يمكن للأطراف أن تجلس وتتحدث، ويمكن أن تتبادل التنازلات، ويمكن أن توقع اتفاقًا، بل ويمكن أن تتقاسم السلطة، ومع ذلك لا يتغير شيء جوهري في بنية الدولة.
ذلك لأن تسوية الصراع بين النخب ليست بالضرورة تسوية للأزمة الوطنية.
والتاريخ السوداني يقدم شواهد عديدة على هذا الفرق.
من يملك القوة يملك تعريف الحوار
من النقاط التي تحتاج إلى قدر أكبر من النقد أن الحديث عن “أطراف الحوار” قد يوحي، أحيانًا، بأنها أطراف متساوية.
لكن السودان لا يعيش أزمة بين أطراف متساوية القوة.
هناك من يمتلك السلاح، ومن يسيطر على مؤسسات الدولة، ومن يمتلك الموارد، ومن يمتلك النفوذ الإقليمي والدولي، وهناك قوى مدنية وسياسية ومجتمعية محدودة القدرة على فرض إرادتها.
وهناك، في الجانب الآخر، ملايين السودانيين الذين تحولوا إلى نازحين ولاجئين وضحايا للحرب، دون أن يكون لهم صوت حقيقي في تحديد مستقبل البلاد.
لذلك فإن السؤال ليس فقط: من سيجلس إلى طاولة الحوار؟
بل: من يملك القدرة على تحديد أجندة الحوار؟ ومن يملك القدرة على تنفيذ مخرجاته؟ ومن سيدفع ثمن التسوية إذا فشلت؟
هذه الأسئلة لا يمكن تجاوزها إذا أردنا حوارًا وطنيًا حقيقيًا.
الضحايا ليسوا هامشًا في صناعة السلام
الخطاب السياسي السوداني ظل، في كثير من الأحيان، يتعامل مع الحرب باعتبارها صراعًا بين قوى سياسية وعسكرية.
لكن الحرب أكبر من ذلك.
الحرب دمرت المجتمعات، وفككت شبكات الاقتصاد المحلي، ودفعت ملايين البشر إلى النزوح واللجوء، وأعادت إنتاج مظالم قديمة، ووسعت الفجوات بين المركز والأطراف.
ومن ثم فإن أي حوار لا يمنح الضحايا والمجتمعات المتضررة موقعًا حقيقيًا في العملية السياسية سيظل حوارًا ناقصًا.
ليس المطلوب أن يتحول كل مواطن إلى مفاوض، ولكن المطلوب أن تتحول حقوق المواطنين وتجاربهم ومصالحهم إلى جزء أصيل من تعريف أجندة الحوار.
فالسلام الذي تصنعه النخب قد يوقف إطلاق النار، لكنه لا يصنع بالضرورة سلامًا اجتماعيًا.
هل يكفي استدعاء نماذج إدارة التغيير؟
من الأفكار اللافتة في المقال استدعاء نموذج ADKAR لإدارة التغيير، بوصفه إطارًا يساعد على فهم الوعي والرغبة والمعرفة والقدرة والتعزيز.
لا شك أن الاستفادة من علوم الإدارة والتغيير المؤسسي يمكن أن تضيف شيئًا إلى التفكير السياسي السوداني، الذي يعاني أحيانًا من غلبة الانطباعية والخطابة على التخطيط.
لكن علينا أن نكون حذرين في نقل نماذج إدارة المؤسسات إلى مجال بناء الدول.
فالدولة ليست شركة، والمجتمع ليس مؤسسة يمكن إعادة هيكلتها بقرار إداري.
التغيير السياسي في السودان يتعامل مع تاريخ طويل من التهميش، وتعدد الهويات، واختلال توزيع الموارد، وتراكم المظالم، ووجود السلاح خارج الدولة، وتضارب المصالح الداخلية والخارجية.
ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كيف ندير التغيير؟
بل يجب أن يسبقه سؤال: ما التغيير الذي نريده؟ ولصالح من؟ ومن يحدد أهدافه؟
فقد تكون لدينا أفضل أدوات إدارة التغيير، لكننا نستخدمها لإعادة إنتاج النظام القديم في صورة جديدة.
وهنا يصبح التخطيط بلا مشروع أخطر من غياب التخطيط.
من “إسقاط النظام” إلى “بناء الدولة”
هذه ربما هي النقطة التي يحتاج الخطاب السياسي السوداني إلى مواجهتها بشجاعة.
لقد راكمت القوى السياسية السودانية خبرة هائلة في مقاومة الأنظمة، لكنها لم تراكم القدر نفسه من الخبرة في تصميم الدولة التي تأتي بعد سقوط النظام.
الثورات والانتفاضات تستطيع أن تفتح الباب.
لكنها لا تستطيع وحدها بناء المؤسسات.
إسقاط السلطة ليس هو التغيير.
التغيير الحقيقي يبدأ في اليوم التالي لسقوطها.
ومن هنا فإن الأزمة ليست فقط في فشل الانتقالات السابقة، وإنما في غياب مشروع متكامل للانتقال من دولة الأزمة إلى دولة المواطنة.
الحوار الذي نحتاجه
إذا كان السودان يحتاج إلى حوار، فإن الحوار المطلوب لا ينبغي أن يكون مجرد حوار حول توزيع السلطة.
نحن بحاجة إلى حوار حول إعادة تأسيس الدولة السودانية.
حوار حول طبيعة الدولة، وعلاقتها بالمواطن، وشكل الحكم، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وتوزيع الموارد، والجيش والمؤسسات الأمنية، واستقلال القضاء، والعدالة الانتقالية، والحقوق والحريات، والاقتصاد، والتنمية، والتعليم، والخدمات، وإعادة الإعمار.
أي أننا نحتاج إلى الانتقال من:
حوار حول السلطة
إلى:حوار حول الدولة.
ومن: تسوية بين النخب
إلى:عقد اجتماعي جديد.
ومن:إدارة الأزمة
إلى:معالجة أسباب إنتاج الأزمة.
العدالة ليست عقبة أمام السلام
ثمة حساسية شديدة في الخطاب السياسي السوداني تجاه الحديث عن العدالة والمساءلة، وكأن العدالة يمكن أن تؤجل إلى ما بعد تحقيق السلام.
لكن السلام الذي يقوم على النسيان القسري قد يكون مجرد هدنة تاريخية.
وفي المقابل، فإن العدالة التي تتحول إلى أداة انتقام سياسي قد تدمر فرص المصالحة.
المطلوب إذن هو بناء عدالة انتقالية مستقلة وذات مصداقية، توازن بين حق الضحايا في معرفة الحقيقة والإنصاف، وحاجة المجتمع إلى تجاوز دورة الانتقام.
وهنا أيضًا نحتاج إلى مشروع، لا مجرد شعارات.
المشكلة في “الإرادة السياسية”
يضع كثير من التصورات للحوار الإرادة السياسية الصادقة في مقدمة شروط النجاح.
لكن الإرادة السياسية لا يمكن قياسها بالتصريحات.
يمكن أن تكون كل الأطراف “مع الحوار”، بينما يكون كل طرف في الوقت نفسه مستعدًا لاستخدام الحوار لكسب الوقت أو تحسين موقعه التفاوضي.
لذلك يجب أن تتحول الإرادة السياسية من مفهوم أخلاقي مجرد إلى سلوك قابل للقياس.
وقف الانتهاكات، قبول الرقابة، فتح المجال المدني، الالتزام بمخرجات الحوار، احترام استقلال المؤسسات، والقبول بالتنازل الحقيقي عن الامتيازات؛ كلها مؤشرات أكثر أهمية من البيانات السياسية.
من الحوار إلى إنتاج المشروع الوطني
ربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن أن نخرج به من النقاش كله.
السودان لا يحتاج إلى حوار جديد فقط.
إنه يحتاج إلى إنتاج مشروع وطني جديد.
مشروع لا يقوم على انتصار مركز على هامش، ولا على هيمنة جماعة على أخرى، ولا على إعادة تدوير النخب القديمة، ولا على مجرد تقاسم السلطة بين القوى الأكثر قدرة على الوصول إلى الطاولة.
المشروع الوطني المطلوب يجب أن يعيد تعريف الدولة السودانية على أساس المواطنة المتساوية، والتنوع، والعدالة، واللامركزية العادلة، وسيادة القانون، واحتكار الدولة للسلاح، والمساءلة، والتنمية المتوازنة، والمشاركة السياسية.
وهو مشروع يجب ألا يُكتب في غرف مغلقة ثم يُقدم إلى الشعب باعتباره وصفة جاهزة.
بل يجب أن يكون نتاج عملية سياسية ومجتمعية واسعة.
من نقد الحوار إلى نقد أنفسنا
ربما تكون أهم فائدة في مقالات الدكتور الشفيع خضر أنها تفتح بابًا ينبغي ألا يغلق عند حدود نقد المبادرات الراهنة.
علينا أن نذهب إلى سؤال أكثر إيلامًا:
لماذا ظل السودان يعيد إنتاج أزماته رغم كثرة السياسيين والمبادرات والاتفاقيات والحورات؟
قد يكون جزء من الإجابة أن النخبة السياسية السودانية ظلت تتعامل مع الدولة باعتبارها غنيمة سياسية أكثر من كونها مشروعًا وطنيًا مشتركًا.
وقد يكون جزء آخر أن الخطاب السياسي ظل أسيرًا لثنائية “مع وضد”، بينما تحتاج الدولة إلى قدرة على إنتاج حلول تتجاوز الاصطفافات.
وقد يكون السبب الأعمق أننا لم نحسم بعد سؤالًا تأسيسيًا: ما الذي يعنيه أن يكون السودان وطنًا لجميع السودانيين؟
ليس اخيراً : الخروج من النفق
لذلك، فإن قيمة النقاش حول الحوار الوطني لا تكمن فقط في تحديد من يجلس إلى الطاولة، أو في صياغة قواعد التفاوض، أو في بناء الثقة بين القوى السياسية.
قيمته الحقيقية تكمن في قدرته على فتح الطريق أمام سؤال أكبر:
هل نستطيع أن نحول المأساة السودانية من نهاية لمرحلة إلى بداية لمشروع وطني جديد؟
إذا كان الحوار مجرد طريق للعودة إلى السلطة، فسوف نعيد إنتاج الأزمة.
وإذا كان الحوار مجرد تسوية بين مراكز القوة، فسوف نؤجل الحرب.
أما إذا أصبح الحوار جزءًا من عملية أوسع لإعادة تأسيس الدولة والعقد الاجتماعي، ووضع نهاية حقيقية لدورة العنف والإقصاء والتهميش، فقد يتحول من مجرد أداة سياسية إلى فرصة تاريخية.
السودان لا يحتاج إلى حوار يخرج منه المنتصرون والمهزومون.
يحتاج إلى مسار يخرج منه وطن جديد.
وهنا تحديدًا ينبغي أن يبدأ نقد الخطاب السياسي السوداني: ليس بالسؤال عمن أخطأ في الماضي فقط، وإنما بالسؤال الأكثر أهمية:
أي مشروع نريد أن نقدمه للسودانيين حتى لا نعود، بعد سنوات، إلى الطاولة نفسها، بالأسئلة نفسها، وبالأزمة نفسها؟
كمبالا 19 أغسطس 2026
engineermakram@gmail.com