لم تعد مواقف الاتحاد الأفريقي تجاه السودان مجرد أخطاء في التقدير أو عجزٍ عابر عن التعامل مع أزمة معقدة؛ بل أصبحت، دليلاً على هشاشة القرار الأفريقي، وعلى عجز مؤسساته عن إنتاج موقف مستقل يضع وحدة السودان وسيادته وسلامة شعبه فوق الحسابات والمصالح السياسية.
إن المسرحيات التي ظل يمارسها الاتحاد الأفريقي، ومفوضية الاتحاد، ومجلس السلم والأمن الأفريقي، لم تساعد السودان على الخروج من أزمته، بل أسهمت ــ وفق هذا الطرح ــ في تعميق الانقسام وإضعاف فكرة الدولة، وتحويل الأزمة السودانية إلى ملف مفتوح للمساومات والبيانات والاجتماعات التي لا تنتج سلاماً ولا توقف نزيف الدم.
فالسؤال الحقيقي ليس: كم بياناً أصدر الاتحاد الأفريقي؟ وكم اجتماعاً عقد؟
السؤال هو: ماذا فعل كل ذلك على الأرض؟
ماذا تغير في حياة السودانيين؟
هل توقفت آلة الحرب؟
هل حُمي المدنيون؟
هل تراجع القتل؟
هل اقترب السودان من السلام؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن المشكلة لم تعد في نقص البيانات، وإنما في طبيعة القرار نفسه.
السودان لن ينعم بوحدة حقيقية، ولا بسيادة كاملة، ولا بسلام مستدام، طالما ظلت المواقف الإقليمية والدولية تتعامل مع الحرب بمنطق المصالح والاصطفافات، وتغض الطرف عن القهر والقتل والإرهاب، أو تمنح القوى التي تغذي العنف مساحة للاستمرار والمناورة.
فالسلام لا يُصنع بمساواة الضحية بالجلاد، ولا بتحويل الجرائم إلى مجرد «خلاف بين طرفين»، ولا بإطلاق الدعوات العامة للتهدئة بينما تستمر آلة الحرب في حصد أرواح السودانيين.
الأكثر خطورة أن مفوضية الاتحاد الأفريقي، التي يفترض أن تكون مؤسسة قارية مستقلة، فقدت كثيراً من دورها وقيمتها السياسية، وتحولت من مؤسسة يفترض أن تدافع عن شعوب القارة إلى واجهة عاجزة أمام نفوذ القوى السياسية المتصارعة، بل أنها أصبحت أقرب إلى منصة تخدم أجندة جماعة الإخوان المسلمين في السودان بدلاً من أن تنحاز إلى حق السودانيين في دولة مدنية وسلام حقيقي عادل و مستدام
وهنا تكمن هشاشة القرار.
فالسودان لا يحتاج إلى مؤسسات دولية أو إقليمية تراقب انهياره ، ولا إلى بيانات دبلوماسية مصاغة بعناية تحافظ علي سلطة القتل و التشريد .
السودان يحتاج إلى موقف واضح: حماية المدنيين، وقف الحرب، محاسبة مرتكبي الانتهاكات ، ورفض استخدام مؤسسات القارة لتوفير الغطاء السياسي لمشروع جماعة الإخوان المسلمين الارهابية في السودان .
أما الاستمرار في هذه المسرحيات ، فلن يحافظ على وحدة السودان كما يُقال، بل قد يدفع البلاد إلى مزيد من التشظي.
الاتحاد الأفريقي أمام اختبار حقيقي: إما أن يستعيد استقلال قراره ودوره الذي أكد فية رفضه لانقلاب البرهان و جماعة الاخوان المسلمين الارهابية وجمد عضوية السودان بناءا علي ذلك ، أو يواصل إنتاج المواقف تنتهك إرادة الشعوب و تلك لا توقف حرباً ولا تحمي مدنياً ولا تصنع سلاماً في السودان .
والتاريخ لا يحاسب المؤسسات الإقليمية والدولية على عدد بياناتها ، وإنما على ما فعلته من مواقف عندما كان الناس يموتون و المواثيق و العهود العدلية و الإنسانية تنتهك .