تضج الأسافير وبعض المنصات الإعلامية بالترويج لما يُسمى «الحوار السوداني–السوداني» المنعقد في بورتسودان، وكأن إطلاق الاسم يكفي وحده لمنح العملية صفة الوطنية والشمول.
لا أحد يختلف في أن السودان يحتاج إلى الحوار، وربما لم يكن الحوار أكثر إلحاحاً مما هو عليه الآن. لكن السؤال ليس: هل نتحاور؟ وإنما: كيف نصل إلى حوار حقيقي، ومن يتحاور، وعلى ماذا؟
نحن أمام حرب لا تزال تحكم حياة السودانيين، بين طرفين مسلحين، بينما يغيب أحد طرفيها عن هذا الحوار، وتقف قطاعات واسعة من القوى المدنية خارج العملية.
وهنا يفرض الواقع سؤاله:
كيف يمكن لحوار أن ينهي حرباً، إذا غاب عنه أحد طرفيها الرئيسيين؟
بل ثمة سؤال أعمق:
هل يمكن أن يبدأ الحوار السياسي قبل أن يبدأ طريق السلام؟
الحوار في المجتمعات التي أنهكتها الحروب ليس مجرد جلوس حول طاولة. إنه يحتاج إلى حد أدنى من الأمان والثقة والقدرة على التعبير الحر. والمواطن الذي يعيش تحت القصف أو النزوح أو الخوف لا يحتاج أولاً إلى منصة سياسية، وإنما يحتاج إلى أن يأمن على حياته وأسرته.
لذلك فإن وقف إطلاق النار وفتح المسارات الإنسانية الآمنة ليسا تفاصيل تسبق الحوار؛ إنهما الشرط الأخلاقي لجدية الحوار نفسه.
فالحوار وسيلة، وليس غاية. غايته أن يعيد السياسة إلى مكانها الطبيعي، وأن ينقل الخلاف من ميدان السلاح إلى ميدان المؤسسات.
ومن هنا يصبح التساؤل حول حوار بورتسودان مشروعاً، لا باعتباره رفضاً للحوار، وإنما باعتباره بحثاً عن شروطه.
فحين تأتي المبادرة من سلطة هي نفسها طرف في الحرب، يصبح عليها أن تثبت أن الدولة توفر للحوار الضمانات، لا أن تتحول إلى طرف يحدد المشاركين والأجندة والمخرجات.
كما أن الحوار الوطني لا يصبح وطنياً بكثرة الأسماء، وإنما بقدرته على استيعاب التعدد الحقيقي في السودان، وبمشاركة القوى التي تمثل المجتمع بمختلف تناقضاته، لا الأصوات المتقاربة وحدها.
ولا يتعلق الأمر بالطعن في حق أحد في المشاركة؛ وإنما بالسؤال عن معايير التمثيل وحياد العملية واستقلالها.
أما العفو عن بعض السياسيين، فلا ينبغي أن يتحول إلى ورقة سياسية. فالحق في الاختلاف والتعبير السلمي ليس منحة من السلطة، ولا يحتاج صاحبه إلى عفو ما لم يرتكب جريمة يعاقب عليها القانون.
إن السودان لا يحتاج إلى حوار يعيد ترتيب السلطة فوق أنقاض الحرب، وإنما إلى عملية سياسية تبدأ من حماية الإنسان.
وقف إطلاق النار، فتح المسارات الآمنة، بناء الثقة، ثم الحوار الشامل.
هذا ليس ترفاً في ترتيب الخطوات؛ بل هو منطق الأشياء.
فلا يمكن أن نبني دولة جديدة بالأدوات التي أنتجت انهيار الدولة، ولا يمكن أن نطلب من مجتمع ممزق أن يصنع سلاماً بينما لا يزال صوت السلاح أعلى من صوت السياسة.
والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً ليس اتهاماً لأحد، وإنما اختباراً لجدية أي حوار:
«هل نتحاور لإنقاذ السودان من الحرب، أم نستخدم الحوار لإعادة ترتيب شرعية الحرب؟»
فالسودان لا يحتاج فقط إلى نهاية للقتال؛ بل يحتاج إلى نهاية للمنطق الذي يجعل السلاح طريقاً إلى السياسة.
م/ آدم مكرم
كمبالا ٣١أغسطس٢٠٢٦ م
engineermakram@gmail.com