ان دولة 56 لا تحاور القضايا، بل تحاور الأشخاص وفق موقعهم من شبكة علاقات السلطة. فهي لا تبحث عن الحقيقة، وإنما تبحث عن الذين يحق لها ان تحاورهم.
هذا المقال يحاول تفسير ذلك من منظور تاريخ تشكّل بنية الدولة، وليس من منظور حركة الاحداث اليومية.
بالرغم من أن مصطلح 56 في تقديري أكثر مصطلح رياضي في تاريخ الذاكرة السياسية السودانية المعاصرة، إلا أنني لست من محبيه، ليس اعتراضاً على ما يحمله من دلالات سياسية، وإنما لأنني أراه أكثر رأفةً بدهّاقنة الدولة الريعية التي تعود جذور تشكّلها إلى الحقبة الاستعمارية الأولى التركية – المصرية 1821. ونظراً لدراسة تاريخ تشكّل بنية الهيمنة، قد نجد المسألة اعمق من تاريخ 1956 فهذه البنية المركبة تتصل ببنية دولة تشكّلت على مدى قرنين، وتراكمت داخلها شبكة من عناصر الطبقية والمركزية والسردية الأحادية وعلاقات السلطة. وصارت هذه العناصر جزءًا من بنيتها العميقة. ولذلك سنتخدم المصطلح نتيجة لخفته وحركته الرياضية، الا انه يجب ان لا يحجب علينا الكثير من ما تم اخفاءه.
هناك عبارة شائعة تتردد في العديد من المواقف، وهي عبارة (حوار الطرشان)، وتشير إلى الإصرار على الحديث إلى شخص لا يملك القدرة على السمع. لكن المفارقة الأكثر غرابة عندما يقوم شخص أو جهة ما بحوار نفسه وإيهام الناس بأن النتائج التي توصل إليها تمثل ذروة تطلعاتهم!
إن أكثر التعريفات منطقيةً لمفهوم الحوار هو ذلك التعريف القائل بأن الحوار هو نشاط عقلي تواصلي يقوم على تبادل الآراء والحجج بين طرفين أو أكثر وفق قواعد المنطق والاستدلال، بقصد اختبار صحة القضايا والوصول إلى الحقيقة أو إلى الرأي الأكثر قبولاً عقلاً. وهو تعريف مستخلص من الأدبيات المنطقية والفلسفية المعاصرة.* لكن الحوار يفقد معناه عندما لا تكون اطرافه متساوية في الحق السياسي، وعندما تحدد جهة واحدة مسبقًا من يحق له ان يتحدث ومن لا يحق له، ومن يمثل المجتمع ومن يُستبعد منه.
إلا أن الأمر برمته لا ينفصل عن طبيعة تشكّل بنية دولة ما بعد الاستعمار في السودان، والتي تعود جذورها إلى الحقبة الاستعمارية الأولى؛ لأن الدولة لم تبني علاقاتها مع المجتمع على أساس المواطنة المتساوية، وانما ظلت أسيرة تحكمها عناصر الطبقية والمركزية وعلاقات السلطة. حيث تُعتبر هذه العناصر من السمات الجوهرية التي شكّلت البنية العميقة للدولة، وتقود في مجملها إلى عدم الاعتراف والإلغاء. دلالة ذلك تكمن في أن نموذج هذه البنية المختلّة يعني ضمنياً انتقائية الإنسان والقضايا، وبذلك تنتفي شروط العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية التي تمثل المرتكزات الموضوعية لمفهوم الحوار.
ان نموذج تفكير النخبة الذي شكلته هذه العوامل بني نفسه على منظور السيادة، ولا يقبل ان يكون متساوياً مع الاخرين اذ لا يرى نفسه غير سيداً عليهم. وقد ظل هذا الوعي التسيُّدي يحتل موقعاً مهماً في مخيلة النخب حتي اليوم، رغم الغاء الحكومة البريطانية للرق قبل اكثر من مئة عام. الا انه قد ظل راسخاً في المخيلَّة والوعي الباطن، الأمر الذي ولد حالة من هزيان نزعة الاستحقاق المطلق والملكية الخاصة للحق الجماعي التي تعتري الان (عيال الدولة).* والمرتبطة في منشئها إلى وهم التفوق العرقي والتعالي الثقافي الناتج من سلسلة القهر وإعادة الإنتاج المنتظم من الحقب الاستعمارية المختلفة. مثلما تحدث د. ابوالقاسم حاج حمد، فيما ما معناه، ان هنأك أناس سودانيين اذا قلت لأحدهم ان جده ليس العباس، يغضب ويتضجر وفي نفس الوقت يتحسر على ان جده العباس مدفون في دولة أجنبية!
إن دولة 56 لا تتعامل مع مفهوم الحوار باعتباره موضوعاً، وإنما تتعامل معه كذات، فهي لا تنظر إلى أجندة الحوار وما تفضي اليه، إنما تنظر إلى من هم الذين يجب أن تحاورهم، من أين ينحدرون، وما هي قبائلهم، وما هو وضعهم الاجتماعي داخل الطبقة المهيمنة، وموقعهم من علاقات السلطة. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى التي تحدث كل مرة في ان الدولة لا تحاور القضايا وإنما تحاور الأشخاص وفق موقعهم من منظومة شبكة علاقات السلطة.
في كل مأزق من المآزق التاريخية المتعددة لدولة ما بعد الاستعمار في السودان، تعودت ان تبتدع حيلاً قديمة متجددة، تأتي على شاكلة الحوار الوطني والمصالحة الوطنية وغيرها من الأسماء الرنانة، في محاولة لإعادة إنتاج نفسها ومنحها عمر جديد.
لكن هذه المرة قد بلغ السيل الزُّبى، وبات ليس بقدرة العطار أن يصلح ما أفسده الدهر. هذه النخب، التي انحدرت إلى أكثر مذابل التاريخ السياسي قذارةً، تجاهلت حقيقة جلية تتمثل في الموت الإكلينيكي لمنظومة الدولة الهرمة. وبرغم ما راكمته من رأس مال رمزي عبر “اقتصاد الشهادة”*، فقد تعامت عمدًا عن التحولات البنيوية التي تفتح الطريق لبناء الدولة الوطنية الغائبة منذ تشكّل السودان الحديث عام 1820. والأسوأ أنها، في لحظة الحسم، تخلّت عن قيمها النقدية ورسالتها تجاه الجماهير، واختارت أن تكون أبواقًا وسدنة لدولة الفساد والاستبداد وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة.
إن ظاهرة حوار الدولة مع نفسها ليست بظاهرة جديدة في التاريخ السوداني المعاصر، كما أن نتائجها بالضرورة معلومة للجميع مسبقاً، وفي العقود الأربعة الأخيرة كانت تُدار عبر الحركة الإسلامية وواجهاتها وتوظيف أجهزة الدولة المختلفة. لكن هذه المرة موضعت الحركة الإسلامية نفسها خلف الستار متمسكة بخيوط اللعبة، وأتت بهؤلاء الأفندية ورثة دولة الاستعمار ليكونوا في الواجهة، وهي في الظل، لتتمكن من خلالهم من إحكام السيطرة على الحوار المزعوم، والتي ستكون نتائجه عودة الحركة الإسلامية للمشهد، وما يعقبه من نتائج كارثية.
هذا فيما يتعلق بحوار 56 مع نفسها، أما حوار الواقع فذاك شيء آخر. فإن السياسة لا تدُار بالعنوانين إنما بخارطة السلطة والسيادة والسيطرة والنفوذ هذه العوامل هي التي تتحكم في القرار السياسي والأمني. فحكومة بورتسودان لا تملك السيطرة الكاملة على أكثر من 35% من مساحة السودان، مع العلم أن هذه المساحة في تقلص تدريجي على الدوام، خصوصاً في مناطق النيل الأزرق والفونج. فقد لا يكمل حوارهم هذا دورته الزمنية حتى تعود العمليات العسكرية مجدداً في الخرطوم او حتى بورتسودان. فالحوار الذي لا يستند إلى واقع السلطة والسيطرة والنفوذ ليس حوارًا مع الواقع، بل محاولة لانتاج واقع لم يكن موجود اصلاً.
أما القراءات الوقائعية لمحيط العملية السياسية، والتقاطعات التي تحكمها، واتفاق جوبا، والجناح المهادن من صمود وغيرها من التناقضات التي تحيط بهذا المشهد، فلذلك حديث اخر نعود له في وقت لاحق.
ودمتم
مهند زامل
كمبالا – سبتمبر أيلول – 2026
هوامش:
زكي الميلاد، المنطق وفكرة الحوار
(عيال الدولة) مصطلح من ابكر ادم إسماعيل
(اقتصاد الشهادة) مصطلح من الكاتب تم التنظير له في مخطوطة عن التعليم ستصدر قريباً
السابق بوست