Fajr Press

من مدرجات جامعة الخرطوم إلى معسكر “بيالي” للاجئين .. الدكتور الهادي إدريس وأبوبكر يستعيدان ربع قرن من الذكريات.

بيالي - فجر برس

في معسكر بيالي للاجئين السودانيين بأوغندا، حيث تتجاور ذاكرة اللجوء مع أحلام العودة، كان ثمة موعد مختلف مع الذاكرة. لم يكن اللقاء عابراً بين شخصيتين جمعتهما سنوات الدراسة، بل بدا كأن ربع قرن انحنى للحظة، ليعيد إلى الواجهة أياماً بعيدة من جامعة الخرطوم، حين كانت السياسة والثقافة والمجتمع تتقاطع في أروقتها ومدرجاتها ومقاهيها، وحين كانت الصداقة بين الطلاب تُصاغ في فضاء مفتوح على الأسئلة الكبرى.

هناك، التقى الدكتور الهادي إدريس يحيى، رئيس حركة تحرير السودان – المجلس الانتقالي، وعضو المجلس الرئاسي لحكومة السلام الانتقالية وحاكم إقليم دارفور، بصديقه ودفعته وزميل دراسته بكلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بجامعة الخرطوم، أبوبكر عبدالله ضيف الله “ANF” بعد نحو خمسة وعشرين عاماً من آخر أيامهما في الجامعة.

كان اللقاء أقرب إلى استعادة شريط طويل من العمر. صافح الصديقان بعضهما، لكن المصافحة بدت وكأنها تمتد عبر سنوات كاملة، لا عبر مسافة قصيرة في معسكر للاجئين. وفي اللحظة الأولى، حضرت الجامعة بكل تفاصيلها: المدرجات، النقاشات، الوجوه، المواقف، والصداقات التي صنعتها تلك المرحلة.

استعاد الدكتور الهادي وأبوبكر أيام الدراسة في كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، واستدعيا ملامح مرحلة ظلت عالقة في الذاكرة، من الحياة السياسية الصاخبة إلى النشاط الثقافي والاجتماعي الذي كان يمنح جامعة الخرطوم خصوصيتها ومكانتها في الحياة السودانية.

ولم تكن الجامعة، في ذاكرتهما، مجرد مؤسسة أكاديمية. كانت فضاءً لصناعة الأفكار وتشكيل الوعي، ومختبراً صغيراً للحياة السودانية بكل تناقضاتها وأسئلتها. كان الطالب يدخلها حاملاً أسئلة التخصص، لكنه سرعان ما يجد نفسه في قلب أسئلة الوطن والمجتمع والسياسة والثقافة.

وخلال اللقاء، توالت أسماء زملاء الدراسة كما تتوالى الصور القديمة في ألبوم لم تطله يد النسيان. حضر آدم تيراب، ناصر عبدالحميد رابح، فاروق كمبريسي، محمد حسن التعايشي، أبو جولة، وغيرهم من أبناء تلك المرحلة، لتتحول الأسماء إلى مفاتيح لذاكرة مشتركة، لكل اسم منها حكاية وموقف وملامح لا تزال حاضرة.
وامتدت الذاكرة أبعد من دفعة الدراسة إلى أسماء وشخصيات تاريخية ظلت جزءاً من المخيال الجامعي والثقافي في تلك الفترة، فكان حضور أب اضاي، كامل ماريق، آدم قريفت، محمد المعتصم والساري، وكأن الجلسة استعادت معها شيئاً من روح الجامعة في زمنها الذهبي.

ولم يغب الأساتذة عن ذاكرة الرجلين. فقد حضرت أسماء أساتذة كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتهم البروفيسور عوض السيد الكرسني والبروفيسور أحمد هاشم عوض، وغيرهما من الأساتذة الذين تركوا بصماتهم العلمية والفكرية في أجيال من طلاب الجامعة.

كان الحديث عن الأساتذة استعادة لزمن كانت فيه قاعات الدرس امتداداً للنقاش العام، وكان الأستاذ لا يقدم المعرفة في صورتها الجامدة، بل يفتح أمام الطالب نوافذ واسعة على المجتمع والتاريخ والاقتصاد والسياسة.

وبين ضحكة وأخرى، وبين اسم قديم وذكرى أبعد، بدت جامعة الخرطوم حاضرة في معسكر “بيالي” أكثر مما تبدو غائبة.
فالمكان الذي جمع الرجلين هذه المرة ليس مدرجاً جامعياً ولا ساحة من ساحات الجامعة، وإنما معسكر للاجئين السودانيين في أوغندا؛ ومع ذلك، استطاعت الذاكرة أن تستحضر الجامعة بكل ما فيها من حياة.

بعد خمسة وعشرين عاماً، لم يكن اللقاء مجرد مصادفة بين صديقين قديمين. كان لقاءً بين زمنين: زمن الجامعة التي كانت تصنع النقاش والحلم والصداقات، وزمن السودان الذي حمل أبناءه إلى المنافي ومعسكرات اللجوء.

وفي بيالي، حيث تبدو المسافات طويلة بين الإنسان ووطنه، اختصر الدكتور الهادي إدريس وأبوبكر عبدالله ضيف الله تلك المسافة بحديث عن جامعة الخرطوم؛ عن أيامها الجميلة، وربما المستحيلة، وعن جيل كانت أحلامه أكبر من جدران الجامعة.

هكذا، في معسكر للاجئين بعيداً عن الخرطوم، استعادت ذاكرة صديقين وطناً صغيراً اسمه جامعة الخرطوم؛ جامعةً بقيت، رغم تبدل الأزمنة والأمكنة، قادرة على أن تجمع أبناءها بعد ربع قرن، وأن تجعل الماضي للحظات يبدو قريباً، نابضاً، وكأنه لم يغادر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.