Fajr Press

سيوسولوجيا الخوف نحو بناء السلام المستدام

كتب - د. عبدالناصر علي الفكي

يعد السلام في السودان أحد أعقد القضايا الاجتماعية والثقافية والسياسية، إذ لا يمكن اختزاله في سياق اتفاقيات سياسية فوقية أو ترتيبات أمنية للجماعات المتحاربة فحسب. وهنا تأتي أهمية الرؤية السوسيولوجية حول السلام والتعايش، التي تتكامل مع متطلبات بناء السلام في الواقع السوداني المأزوم. فالمسألة ليست مجرد وقف للحرب، بل عملية متعددة المستويات تبدأ من تفكيك بنية الخوف والكراهية، وتمتد إلى بناء حوار وطني جامع، ووقف إطلاق النار، وتعزيز المبادرات الشعبية، وتوطين العدالة الانتقالية وتحقيقها، وبناء إرادة وطنية لأصحاب المصلحة الحقيقيين. ويتزامن ذلك مع شعار اليوم العالمي للسلام 2026: “السلام استثمار يومي من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم”.

ويؤدي مفهوم “سوسيولوجيا الخوف” كأداة تحليلية لفهم معوقات السلام إلى تأكيد أن الخوف ليس مجرد انفعال عابر تلقائي ووقتي، وإنما آلية ممنهجة تُوظَّف سياسيًا واجتماعيًا لصناعة بنى الكراهية وتعزيز الانقسامات ذات المصالح الضيقة في المجتمع ومؤسسات الدولة. فالخوف من الآخر المختلف يتحول إلى بنية ثقافية مسيطرة تخلق “آخر” مهددًا ومستهدفًا، فتدفع الجماعات نحو العنف الرمزي والمادي والمعنوي بديلًا عن الحوار الإيجابي التفاعلي الذي يخرج من الحرب والمأساة. وهذه البنية الثقافية الاجتماعية للخوف الجماعي المؤسسي، التي تتغذى على استدعاء الذاكرة الجماعية للصراعات السابقة والتراث كسرديات تُعاد إنتاجها عبر الخطاب السياسي والإعلامي والتعليمي، تكرّس حرب الكراهية والإمعان في المعاندة الإنسانية لكي تصبح جزءًا من النسق القيمي للمجتمع.
أن الحرب ليست حدثًا طارئًا وإنما فعل قديم متجدد نتاج تراكمات تاريخية منذ الاستقلال عام 1956. الرؤىة التي تختزل الأزمة في لحظة الحرب أو في اتفاقيات مصالحات سطحية، إلى مقاربة جذرية تعالج الأسباب الهيكلية المتراكمة. بما يؤكد أن السلام الحقيقي ليس مجرد غياب للحرب، بل غياب كل مؤثرات الخوف التي تصنع الحرب. وتبرهن القراءة السوسيولوجية النقدية على أن بنية الدولة السودانية، بتكوينها المركزي المهيمن وعلاقات الأطراف بالتنمية والمشاركة السياسية ونظم العدالة الاجتماعية، قد أنتجت حلقة دائمة من العنف المتجدد الذي يحتاج إلى تفكيك شامل وإعادة بناء الدولة برضا وتوافق الجميع.
ويُبنى التعايش الاجتماعي، كبديل عن الصراع والعنف الجماعي، عبر آليات تتأسس على قيم المواطنة المتساوية وكذلك العدالة في سياق سلطة مدنية فيدرالية ديمقراطية تتقدم على الانتماءات الإثنية والجهوية ولا تنسفها. وقد جعل الوضع المعكوس للحرب التصنيف الإثني والعرقي في قمة هرم الانتماءات، بينما تقهقرت المواطنة إلى ما يشبه الرعاية بغياب الحقوق والواجبات في ظل الدولة الفاشلة. وبما أن المجتمعات الريفية والبدوية تشكل العمود الفقري المنتج والكثافة السكانية، فإن تنفيذ سياسات التخطيط الاجتماعي التنموي يعزز دورها لإعادة بناء التعايش وقبول الآخر، بالاستناد إلى التراث التاريخي في إدارة التنوع والموارد المشتركة وآليات الإدارة الأهلية العريقة. ويتم ذلك عبر مسارات لاستعادة التعايش وتفكيك سوسيولوجيا الخوف، من خلال منظمات المجتمع الأهلي المدني بوصفها فاعلًا في “هندسة اجتماعية” قادرة على اختراق الجمود، وتحويل الخوف من طاقة تدميرية قتالية إلى فعل عقلاني محفز ودافع نحو التعاون والتنمية التشاركية، وإعادة بناء مفاهيم الدولة على أسس المواطنة والسلام والعدالة، بما يمكن “السلطة المدنية” الإطار الشامل. وهذه الآليات لا تعمل بمعزل عن بعضها البعض، بل تشكل منظومة متكاملة تبدأ من الوعي الاجتماعي وتنتهي ببناء مؤسسات الدولة ومشاركة قاعدة حقيقية.
وقد اتخذت حرب أبريل 2023م طابعًا ثقافيًا اجتماعيًا خطيرًا، إذ غدت تستند إلى التراث القيمي والثقافة الشعبية للجماعات وفق نظام الضبط الاجتماعي القائم على الإذعان والطاعة، وهو الأمر الذي يهدد مفهوم وقوام الوطن والوطنية (نيالا/الخرطوم)، وبالتالي يعد تهديدًا لعمليات التعايش السلمي. لذلك فإن وقف الحرب فورًا يعد الشرط الوحيد للبقاء في دولة واحدة؛ إذ إن استمرارها سيؤدي إلى تفكك البنية الثقافية الاجتماعية للوجدان السوداني المشترك على علله المتراكمة، بحيث تصبح المصالحة والسلام المجتمعي لاحقًا شبه مستحيلة.
إن بناء السلام اليوم عملية معقدة تتطلب العمل على مستويات متعددة. وبناءً على المشهد الحالي، يمكن تصور إطار عمل عبر خمسة مسارات متكاملة. ويتمثل المسار الأول في وقف إطلاق النار عبر هدن ذات ضمانات وطنية ودولية، بغرض إيصال المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين وتهيئة المناخ وإيقاف الحملات الدعائية المتبادلة وإطلاق سراح الاسري، بما يمكن من إعادة بناء الثقة بين السودانيين؛ إذ لا يمكن الحديث عن أي حوار في ظل وجود المهددات العسكرية والأمنية واستمرار القتال.
ويتمثل المسار الثاني في المسار السياسي، ويقوم على إطلاق حوار وطني شامل؛ إذ هناك توافق على أن العملية السياسية يجب أن تكون (سودانية الملكية) وتضم جميع القوى السياسية والمدنية وأصحاب المصلحة لثورة ديسمبر 2019م، مع مراقبة وضمان الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والإيقاد لدعم مسار سياسي شامل. ويشترط لنجاح هذا المسار أن يتجاوز منطق تقاسم السلطة الضيق نحو مشروع وطني جامع يعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف.
ويتمثل المسار الثالث في الدعم الشعبي، ويعمل من القاعدة إلى القمة، حيث تُظهر المجتمعات المحلية قدرة استثنائية على إدارة الأزمات. وتشمل هذه المبادرات الوساطة المجتمعية، إذ تقود لجان السلام المحلية، بالتعاون مع الإدارة الأهلية والقيادات الدينية والقيادات المرجعية، جهودًا لوقف القتال المحلي وحماية المدنيين. كما تشمل تعزيز التماسك الاجتماعي عبر مشاريع تعمل على نشر ثقافة التعايش ونبذ خطاب الكراهية. كذلك تساهم مشاريع التمكين الاقتصادي للنساء النازحات والمجتمعات المضيفة في بناء الثقة وتجعل السلام جزءًا من الحياة اليومية. وتكمن أهمية هذه المبادرات في أنها تعيد بناء النسيج الاجتماعي من الأسفل، بعيدًا عن انتظار الحلول السياسية من الأعلى.
ويتمثل المسار الرابع في العدالة الانتقالية، بوصفها شرطًا أساسيًا لسلام مستدام. فلإنهاء دورات العنف المتواصل، هناك حاجة إلى توطين العدالة الانتقالية بما يتوافق مع الثقافة الاجتماعية وخصوصية الصراع، بما يتيح سياسة وطنية شاملة تضمن المساءلة عن الجرائم، والتعويض الجماعي والفردي للضحايا، وإصلاح المؤسسات العدلية والقانونية، وتجاوز ثقافة الإفلات من العقاب. إن أي سلام لا يستند إلى عدالة سيكون سلامًا هشًا، قابلًا للانهيار عند أول أزمة، كما هو الحال في الكثير من الاتفاقيات والمواثيق في التاريخ السياسي السوداني.
ويتمثل المسار الخامس في الدعم الإقليمي والدولي. ويتطلب نجاح هذه المسارات دعمًا دوليًا منسقًا، يبقى مهمًا في دعم الحوار خلال الوساطة والضغط من أجل التوصل إلى حل سلمي. غير أن هذا الدعم يبقى مشروطًا بوجود إرادة سودانية المنطلق والهدف؛ إذ لا يمكن لأي جهد خارجي أن ينجح في غياب توافق وطني حقيقي وإعلاء المصلحة الوطنية العليا بإنهاء الحرب واستدامة السلام.
ويتفق هذا الشعار مع “سوسيولوجيا السلام والتعايش” في أن السلام الحقيقي يبدأ من تفكيك بنى الخوف من الآخر في المجتمعات المحلية والحركات المسلحة والجيش، وبناء المواطنة المتساوية من القاعدة. وفي السودان، يعني “الاستثمار في السلام” دعم لجان الوساطة المحلية، وتمكين النساء والشباب اقتصاديًا وسياسيًا، ونبذ خطاب الكراهية، وحماية المدنيين، وإحياء قيم التعايش بين الريف والمدن. ويعني ذلك تحويل الخوف من طاقة تدميرية إلى طاقة تعاون وتنمية تشاركية، ويتحقق عمليًا في برامج المدارس والخلاوي والجامعات والكليات، والأسواق المشتركة بين المجتمعات، ولجان التحكيم الأهلية، والمبادرات الرياضية والثقافية والخيرية والتطوعية في المجتمعات القاعدية.
إن بناء السلام في السودان ليس مجرد توقيع اتفاق فوقي نخبوي، بل هو عملية متكاملة تدمج المسار السياسي الرسمي مع جهود القاعدة الشعبية، وتحل الأسباب الجذرية للحروب، وتضمن مشاركة الجميع. ويبقى وقف إطلاق النار الفوري هو البوابة الأساسية للانتقال من ميدان الحرب إلى منطق بناء الدولة. وفي اليوم العالمي للسلام 2026، فلنعمل ونستثمر في السلام من أجل الجميع، في كل زمان ومكان.

 

أستاذ جامعي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.