(كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ۚ بَلَاغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) صدق الله العظيم
في أخريات أيام نظام البشير المخلوع، ظهرت أزمة اقتصادية طاحنة، إذ عجزت الدولة عن الإيفاء بكافة واجباتها، وارتفعت الأسعار بصورة جنونية، وتعطل الإنتاج، لعدم القدرة على توفير مدخلاته. وكان الإخوان المسلمون يمارسون سرقة المال العام، وبيع مشاريع التنمية، بزعم فشلها، الى قادتهم والموالين لهم. وزادت اتهامات المحكمة الجنائية الدولية للبشير وأعوانه، من إحكام الحصار الاقتصادي الدولي، وشلت قدرة الحكومة عن إمكانية الصرف على مؤسسات الدولة. وقامت بمنع المواطنين، من سحب أموالهم، من حساباتهم في البنوك!! فكانت الصفوف أمام البنوك يقف فيها المواطن طوال اليوم، ليتمكن من سحب مقدار بسيط، حدد له، من ماله الخاص، ثم حتى هذا القدر الضئيل أوقف بعد أيام ومنع الناس تماماً من أخذ أي قدر من أموالهم. وشعر الناس أن الحكومة تنهب أموالهم جهاراً نهاراً. ولعل تلك كانت محاولة منها، للحد من ارتفاع الأسعار، بخفض القوة الشرائية للناس، ولكنها كانت محاولة غير رشيدة، لأن الناس كانوا يحتاجون لشراء ضرورات الحياة. ولعل ذلك الوضع المأساوي، هو الذي دفع الناس الى الشارع، في احتجاجات عارمة، كانت آخر مسمار دُقّ في نعش النظام المتهالك. ولقد حاولت الحكومة، أن توقف تلك الاحتجاجات والمظاهرات، بإلغاء تلك الإجراءات الجاهلة، ولكن الثورة كانت قد انطلقت، وانتشرت، فعمت جميع أنحاء البلاد، مطالبة بإسقاط النظام بأكمله، لا بعض سياساته، فكانت ثورة ديسمبر المجيدة.
إن الوضع الآن، أسوأ مما كان في أخريات نظام المخلوع. فهناك انهيار اقتصادي عام، والأسواق أغلقت، لأن التجار لا يستطيعون، متابعة سرعة ارتفاع الدولار، وانخفاض قيمة الجنيه. وبعد أن رفعوا أسعار السلع، بصورة كبيرة، عجز المواطن عن شرائها. فرأوا أن يقفلوا متاجرهم، ويحتفظوا ببضاعتهم، بدلاً من بيعها اليوم بأسعار، لا تمكنهم من شراء بضاعة جديدة غداً، لاستمرار ارتفاع الدولار كل لحظة. ومما زاد الأمر سوءاً، ان الحكومة أوقفت تطبيق بنكك، الذي يقدمه بنك الخرطوم، وهو تطبيق يعتمد عليه المواطنون في حياتهم اليومية، لقلة النقد المطروح في السوق، بسبب الركود الاقتصادي. كما أن تطبيق بنكك، هو القناة التي يرسل السودانيون بالخارج عن طريقها المال لذويهم في الداخل، وكثير من الأسر، تعتمد على ذلك، اعتماداً تاماً، في شراء ضروريات حياتها. ولهذا حين قُفل التطبيق، خرج الناس في الشوارع في مظاهرات، كان يمكن أن تستفحل، لولا أن الحكومة سارعت بإعادة فتحه، في وقت وجيز.
إن الحالة التي يعاني منها الاقتصاد السوداني، الآن، ليست حالة تضخم inflation ، لأن ارتفاع الأسعار، لا يصاحبه حراك اقتصادي، وزيادة في عرض النقود، وقوة شرائية زائدة، وإنما يصاحبه ركود اقتصادي، وعدم إنتاج، وارتفاع في البطالة. وهذا يسمى “الركود التضخمي” stagflation ، وهو أسوأ من التضخم، ويصعب مواجهته، بإجراءات اقتصادية عادية. فالخلل في الميزان التجاري، وهو الموازنة بين واردات الحكومة وصادراتها، سببه الأساسي الحرب. لأن تكلفة شراء السلاح، من طائرات مسيرة، ومركبات، ودبابات، ومدافع، وصواريخ، وقنابل، وذخيرة، لا يقابله تصدير منتجات سودانية يدر عائداً مناسباً. بل إن رئيس الوزراء كامل إدريس، قال إن 70% من الإنتاج، يقع في الأماكن التي يسيطر عليها الدعم السريع. ومع أن الحكومة أنتجت كميات كبيرة من الذهب، كان يفترض أن يوفر عملة صعبة، تسهم في تعديل خلل الميزان التجاري، إلا إن ذلك لم يحدث بسبب الفساد. فالذهب تسيطر عليه مافيا، تهربه، وتسرق عائداته، ولا أحد يجرؤ على مساءلتها!! وذلك لأن عصابة الذهب، تحميها الحكومة، بل يحميها البرهان نفسه، لأن شركات التعدين، التي احتكر لها استخراج الذهب، وبيعه، يمتلكها عبد الرحمن البرهان، وعمر البرهان، أشقاء الرئيس عبد الفتاح البرهان!! وهل مثل البرهان، كان سيسمح لهم، بأخذ كل هذه الأموال، لو لم يكن شريكاً سرياً لهما؟! ولقد بلغ إنتاج الذهب المعلن، في المناطق التي تسيطر عليها حكومة البرهان، 64 طناً، في عام 2024م. وأعلنت حكومة البرهان، أنها صدرت رسمياً 29.9 طن، بعائد يقارب المليار ونصف دولار، إلا أن عائدات الذهب، التي وصلت بنك السودان، كانت 16 مليون دولار فقط!! وبقية المبالغ، التي تمثل الفرق بين مليار ونصف دولار، و16 مليون دولار، لم تورد لصالح خزينة البلد، وإنما أخذتها شركات التعدين!! وذلك بعد أن بلغ الذهب المهرب الى مصر 60% من إنتاج الولاية الشمالية، وولاية نهر النيل، وولاية البحر الأحمر!!
أما الخلل في ميزان المدفوعات، وهو الموازنة بين إيرادات الحكومة ومصروفاتها، فسببه أن الحكومة مجبرة أن تصرف للجيش، والحركات المسلحة، وميليشيات الإخوان المسلمين، أموالاً طائلة من الخزينة العامة، وتصرف صرف بذخي، على الوزراء، وشراء وإيجار منازلهم، ومقارهم، بينما عائداتها من ضرائب، وعوائد، وجبايات، لا تقترب من هذه المبالغ، التي تضطر الى توزيعها للمسؤولين، وتوزيع بعضها كرشاوي للصحفيين، والغرف الالكترونية، التي تشجع على الحرب، وتواجه دعاة وقفها، من الأحزاب والمنظمات والمواطنين الشرفاء. وبدلاً من الحد من الصرف الحكومي البذخي، اتجهت الحكومة، للاقتطاع من قوت الشعب، فلم تصرف مرتبات الموظفين، خاصة المعلمين، باعتبارهم القطاع الأوسع، ولم تصرف على الكهرباء، والماء، ولا على القطاع الصحي، والأدوية. كما أنها أوقفت تماماً أي صرف على التنمية، مما سبب الركود الاقتصادي.
إن معالجة الاقتصاد السوداني الحاضر، تحتاج الى إجراءات ثورية، عاجلة، تشبه الجراحة الضرورية، لاستئصال المرض، ومن تلك الإجراءات:
1-أيقاف الحرب فوراً، وفتح المسارات الآمنة، لتوصيل الإغاثة العاجلة، للجوعى، والمرضى، والأطفال. ثم تحويل الموارد التي كانت تصرف على الحرب، إلى الخزينة العامة لتستخدم في مواجهة الجوع، وتوفير خدمات الصحة والتعليم الضرورية.
2- إيقاف الصرف الحكومي البذخي فوراً. فقد رأينا كيف اشترت الحكومة عربات جديدة للوزراء، وكيف أن من يزور منهم منطقة، تصحبه قافلة من أكثر من عشرين سيارة كبيرة!! يجب بيع كل هذه العربات، وتحديد بص واحد، يحمل الوزراء الى مكاتبهم والى منازلهم. لا بد من تخفيض مرتبات الوزراء، والوكلاء، فقد قرأنا خبراً يقول إن محافظة بنك السودان الجديدة، يبلغ مرتبها 300 مليون جنيه!! ما هذا السفه وهذا الطيش؟!
3- لا بد من مصادرة شركات التعدين، وتحويل أموالها الى وزارة المالية، واحتكار تصدير الذهب للحكومة، باعتباره سلعة جوهرية خاصة، وإيراد عائداته عن طريق حساب بنك السودان. كما لا بد من احتكار شراء الذهب من المعدنين الأهالي، بواسطة وزارة المالية حصرياً.
4-بعد إيقاف الحرب، لا بد من الإسراع في التنمية، بتوفير مدخلات الإنتاج، وتمويل المنتجين، عبر البنك الزراعي، وبنك الثروة الحيوانية. كما لابد من الابتداء في التصنيع الزراعي والحيواني، وعدم تصدير المواد الخام، أو الحيوانات الحية، وتيسير التصدير للمنتجين، وتوفير عائدات، تغري بزيادة الإنتاج، وتشجع عليه.
5- إيقاف تجارة الحدود مع مصر، أو غيرها بالعملة المحلية. وإنما يمكن أن تتم التجارة، وفق شروط التجارة الدولية، بالعملة الصعبة، التي تحول من خلال بنك السودان، وبالأسعار العالمية.
6- لابد من تخفيض الضرائب على المواطنين، وعلى التجار. وإلغاء كثير من الجبايات، والأموال، التي تؤخذ من المواطنين، في الارتكازات العسكرية. ولا بد من تخفيض أسعار المواد الأساسية، التي يعتمد الناس عليها في حياتهم اليومية.
لقد بلغت معاناة شعبنا حداً لا يطاق، ولا زالت حكومة البرهان تؤجج نار الحرب، ولا زالت ترفض الهدنة، ووقف إطلاق النار، ولا زال البرهان يحاول خداع الناس، فيكذب كل يوم، ففي آخر لقاءاته، مع بعض رجال الدين المسيحي والإسلامي، قال (أديانا كلها تدعونا الى المحبة والسلام لذلك كل من يدعو الى الحرب يجب ان نقف ضده)!! إن البرهان نموذج صارخ للإخوان المسلمين، ولقد كانت تجربة حكمه فرصه له، أن يصلح من أمر نفسه، بل هي فرصة لتنظيم الإخوان المسلمين، أن يتدارك أمره، وينقد مسيرته، ويأتي بصورة جديدة، متجاوزة لجرائم الماضي، ولكن قد لحقهم قوله تعالى (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) صدق الله العظيم.
24 سبتمبر 2026م