المأساة المعتمدة التي شهدها حادث مقتل المعدنين السودانيين في شمال الوادي في العاشر من أكتوبر 2026، أظهرت مؤشرات إيجابية عميقة الدلالة على الوجدان الجمعي والجماعي. فرغم قسوة الانتهاكات وفداحتها، عبّرت ردود الفعل الشعبية عبر وسائط التواصل الاجتماعي والإعلام عما هو أبعد من مجرد الحزن والفقد أو التأييد والتشفّي، إذ كشفت عن نموّ الوعي المشترك الذي استطاع عبور السرديات السابقة لحالات الفرز ووصم الجماعات، وصناعة الكراهية والازدراء والعنصرية بين أبناء الوطن الواحد أثناء حرب 15 أبريل 2023م، حتى بدأ البعض يرى أن الهوية الوطنية باتت على محكّ إعصار الحرب العرقي الإثني.
غير أن الأزمة المهددة — بوصفها لحظة مفصلية — استنطقت فعل تجاوز، كبارقة أمل، تصنيفات الحرب ورمزيات ثقافة التراث الصراعي الذي بدأ يتشكل شيئًا فشيئًا بين أطراف الحرب، نحو وعي جديد ارتقى بالإحساس والشعور الجماعي نحو الكرامة الحقيقية، متجاوزًا بنية سوسيولوجيا صناعة الخوف تجاه الآخر الذي أنتجته مؤسسات وأجهزة داعمي الحرب. ويبرز جوهر سوسيولوجيا الخوف، إذ إن الخوف المُصنَّع من الآخر ليس مجرد انفعال نفسي واجتماعي وثقافي تلقائي ظرفي، وإنما بنية اجتماعية لديها القدرة على الضبط الاجتماعي، وتُبنى وتُدار وتُستثمر بقوة السلطة الحربية والاجتماعية كعائق أكبر أمام بناء السلام وآليات عمليات التعايش الاجتماعي. فالخوف من الآخر يتحول إلى أداة لتقسيم جماعات المجتمع وتفتيته، ويُنتَج عبر مؤسسات ومنظومات تخدم أجندات الحرب وتُغذّي ثقافة الكراهية والفرز والتصنيفات الاجتماعية. ويظل هذا الخوف المصنَّع حائلًا دون بناء سلام حقيقي، لأنه يُعمّق الشك ويمنع الاعتراف بالآخر، ويجعل من كل اختلاف تهديدًا وجوديًا بدلًا من كونه إثراءً للنسيج الوطني.
وقد تُرجم هذا الموقف نفسه عبر علامات وآليات إعادة التعايش الاجتماعي وقبول الآخر، في مقابل منطق الإقصاء والاستبعاد الذي حاولت فرضه أدوات الصراع. وما حدث ليس مجرد رد فعل عاطفي عابر، بل هو طوق نجاة أمام أمواج صنّاع الكراهية وأدوات الحرب الثقافية والاجتماعية — الأخطر من العسكرية — التي استهدفت تفكيك النسيج الوطني. تفتّقت أزمة جبل عقيدات عن مفاهيم مترابطة توطّنت لدى غالبية الشعب، أبرزها (كلنا سودانين…. الدم السوداني واحد…. حق الدهابة… وما بنخلي إخوانا) ، مثلت عتبة وجدانية هامة نحو التطور الاجتماعي وإنهاء الحرب كأحد مظاهرها، وتجفيف منابع الجهل النشط للجماعات المتصارعة ، بالوعي الإدراكي الصحيح للمشكلات، والاشتراك بالتالي في جدل الاجتماعي نحو الحلّ المستدام.
وهنا يتعيّن التأكيد على أن الوجدان المشترك والهوية الواحدة ليسا بنتَ اللحظة الراهنة، بل هما رصيد تاريخي ظل حاضرًا منذ بدايات تشكّل الدولة وحتى الآن، رغم التباين الإثني والثقافي والجهوي الذي يميز النسيج السوداني. فقد ظل السودانيون، على اختلاف أعراقهم وثقافاتهم ومناطقهم، يتشبثون بقواسم مشتركة تجمعهم — من التاريخ الجغرافي المشترك و المصير الواحد — غير أن هذه القواسم ظلت بحاجة ماسة إلى استراتيجية وطنية شاملة، تستوعب الكل وتُبنى للكل، لا لطائفة أو جماعة دون أخرى ولا لجهة دون سواها. ولن تتحقق إلا عبر سلطة مدنية ديمقراطية، تُرسّخ المواطنة المتساوية، وتُدير التنوع بوصفه ثراءً لا كمصدر تهديد، وتُفكك بنى الخوف المُصنَّع التي تغذّت على الفرز والإقصاء. فالسلطة المدنية الديمقراطية وحدها القادرة على تحويل الوجدان المشترك من شعور عاطفي جامع إلى سياسات ومؤسسات وقوانين تحمي الكرامة وتصون الحقوق وتُترجم الوحدة الوطنية إلى واقع ملموس يشبع حاجات الشعب المادية والمعنوية.
تجاوز الفعل الجماهيري الصغائر من التصنيفات المتعمدة التي تُستخدم كوقود مؤجج للصراع، وأيضًا الأهداف الفرعية المرتبطة بالمصلحة الذاتية للجماعات الهيمنة المتواطئة، نحو غايات وهدف أعظم تخطّى الوعي الوطني الجزئيات إلى الكل المتساند بالاشتراك في المشكلة وإيجاد الحل. وهذا التحول — بوصفه لحظة وعي وطنية — يتطلب الدعم والمساندة من المؤسسات السياسية والمدنية وقادة الرأي العام والفاعلين والنشطاء عمومًا في المجتمع ككل، لأن تجاوز سوسيولوجيا الخوف لا يحدث تلقائيًا، بل يحتاج إلى جهد واعٍ ومستدام لبناء ثقافة السلام والتعايش بديلًا عن ثقافة الخوف والاستقطاب لمكونات ما دون الدولة بصورة سلبية.
الحاجة الآن لإعلاء ونسج المزيد من قيمة كرامة المواطن والحقوق والإنسانية في مقابل المهددات الخارجية، وأن ندرك أن السلام الحقيقي لا يُبنى في غياب الخوف فحسب، بل يُبنى على أنقاض سوسيولوجيا الخوف التي استنزفت الوجدان الوطني لعقود. إن ما تحقق في لحظة الأزمة هو رصيد وطني يجب البناء عليه، وتحويله من فعل آني وقتي إلى ممارسة مستدامة تؤسس لسلام حقيقي وتعايش مجتمعي قوي، يستند إلى الكرامة والإنسانية المشتركة لا إلى التخويف من الآخر وإنتاج الأعداء. والطريق لذلك عبر سلطة مدنية ديمقراطية تُرسّخ معاني الوجدان المشترك وتُديره استراتيجيًا بالكل وللكل، وتُترجمه إلى مؤسسات وسياسات عادلة، وتُؤسس لسلام حقيقي وتعايش مستدام.