Fajr Press

سوسيولوجيا الخوف وصناعة الضحية: المعدّنون السودانيون.

كتب - د. عبدالناصر علي الفكي

كشف موقف بعض المثقفين والنخب السودانية تجاه الاعتداء الغاشم على ضحايا المعدّنين السودانيين (أكتوبر ٢٠٢٦م) عند حدود ولاية نهر النيل مع دولة مصر، عن أزمة أعمق من اختلاف في الرأي، أو تباعد في التفسير، أو انحياز سياسي، وإنما مشكل تاريخي معقد متحكّم في داخل النظم السياسية والثقافية والاجتماعية، في عمليات تراث تقبّل الآخر والتعايش الوطني.

ويتضح ذلك بداية بالصمت والسكوت الإثم، بل وبالتعبير عن الانتهاكات بحق الضحايا بوصفهم بأنهم من دول إفريقية وغير سودانيين، وثانيًا في المستبطن الهوياتي المقيت: أنهم أصلًا من أقاليم غرب السودان، وبعضهم سجناء هربوا أثناء الحرب، وكذلك ليسوا إلا تجار مخدرات ومهربي البشر والتجارة غير المشروعة، وأضف إلى ذلك تحمّلهم خطأ التواجد داخل حدود الدولة المصرية. لذلك يجب القضاء عليهم، ولو بسلاح الطيران المصري، وإن كانوا مدنيين وباحثين عن الحياة الكريمة في ظل الأوضاع البيئية القاسية التي تفتقر إلى الخدمات.
تلك التبريرات الفجّة والخجولة نموذج لتفكير منهجي متكامل: الإقصاء والوصم والاستبعاد الوطني. ولا تكتفي حالة عجز النخبة والتهرب من المسؤولية عن الانتهاكات والقتل لمواطنين سودانيين، وإنما تعمل على إنتاج الضحية كمتهم، ونزع صفة الحقوق الإنسانية والمواطنة، وتضعهم خارج دائرة واجب الدولة والإسناد والتعاطف الأخلاقي الوطني.
وهو استمرار لأزمة الدولة السودانية وحالة التقوقع الهوياتي الاستبعادي تجاه صورة الآخر المختلف، باستغلال أجهزة السلطة السياسية والأمنية وإيجاد مبررات كشماعات جاهزة تمارس الفساد الهوياتي الإثني العرقي. فبدلًا من طرح أسئلة عن مسؤولية قتل المعدّنين، وتهجيرهم، والحرمان من الحماية، وتدمير الأموال وحقوقهم، سيتبدل إلى سؤال: من هم؟ ومن أين جاؤوا؟ وهل هم سودانيون أصلًا؟ وهل يستحقون التعاطف؟ والأسئلة ليست بريئة، وهي في الأصل سلوك تعويضي للهروب عن المسؤولية، يدافع عن مصالح نخب ومجموعات مسيطرة على الدولة ويساندها، ويبث السموم في البنية المجتمعية. وخطورة هذا الفعل ليس بالضرورة أن يكون موحدًا أو ذا مرجعيات إثنية وعرقية واحدة؛ بعضه يصدر من نخب مدنية أو نخب لمجموعات مهمشة من المركز نفسه، بحثًا عن موقع في معادلة القوة، أو تخفيفًا لعقدة التهميش لديها من خلال إعادة إنتاج التهميش ضد ضحايا جدد.
وفي هذا السياق، تكتسب الرؤية حول التعايش الاجتماعي وسوسيولوجيا الخوف من الآخر في السودان أهمية تفسيرية بالغة. لا يُنظر إلى الخوف بوصفه انفعالًا نفسيًا ثقافيًا عابرًا، بل بوصفه أداة سياسية واجتماعية تُصنع وتُدار وتُوظف لإعادة إنتاج الانقسامات الاجتماعية في ما دون الدولة. فحين يشيع الخوف من الآخر، يتراجع الشعور بالمواطنة المتساوية، ويصبح الانتماء الإثني أو الجهوي أو المناطقي متقدمًا في ترتيب القيم من الانتماء الوطني. ويدور المواطن حول سؤال: من يشبهني؟ ومن يختلف عني؟ ومن يحمي مصالحي؟ وهكذا يتحول التنوع من ثراء وقوة إلى تهديد وضعف، وتتحول الدولة إلى ساحة صراع بين جماعات تتخوف بعضها من بعض.
إن بنية الدولة المركزية المهيمنة، وما تراكم فيها من سياسات إقصاء وتهميش منذ الاستقلال ١٩٥٦م بشكل نسبي، أسهمت في هذه الحلقة من العنف المتجدد، وحولت الخوف الهدام إلى نظام معرفي وثقافي واجتماعي مستدام، وليس مجرد رد فعل تلقائي مؤقت.
وهي لا تتوقف عند هذا الحد، لأن التلاعب بالمشاكل الوطنية في إطار تنازع إقليمي ككسب مؤقت للسلطة لا يؤدي إلى إضعاف الوجدان السوداني المشترك فقط، بل يفتح الطريق أمام النزعات الانفصالية بوصفها خيارًا متاحًا طالما ظلت الدولة ضمن تحالف الطبقة الرأسمالية الطفيلي الإثني التي تبيع وتعرض الموارد مقابل دعم سياسي ولوجستي يعضد من قوة وسلطة الجماعة المهيمنة المتسلطة. وهنا يتحول السودان إلى سوق معاملات ومعادلات إقليمية، وتصير الموارد سلاحًا في يد النخب الناهبة، ويتحول الخوف إلى سلع يتم استيرادها وتصديرها، ويصبح الدعم الخارجي ليس حماية للدولة، بل تعميقًا لتفكيكها. فالدعم الذي يُمنح لهذه الجماعة أو تلك لا يحل المشكلة الوطنية، بل يؤجلها ويضاعفها، لأنه يبقي الدولة رهينة توازنات خارجية، ويجعل الموارد الطبيعية وقودًا للحرب بدلًا من أن تكون أساسًا للتنمية والعدالة والسلام.
والنتيجة أن الوجدان السوداني المشترك يضعف، ويتراجع الشعور بالوطن الجامع، ويبدأ ما يمكن تسميته الانفصال الوجداني قبل الانفصال الجغرافي، إذ تشعر جماعات كاملة بأنها لم تعد جزءًا من هذا الوطن، وأن بقاءها ووجودها لم يعد كافيًا ولا يشبع الحاجات الأساسية.
وهذا لا يعني تبنيًا للانفصال، بل توصيفًا لمسار خطير ينتج عن استمرار الدولة في بيع مواردها مقابل دعم سياسي ولوجستي بالوكالة يعزز الهيمنة المتسلطة. فكلما زاد التلاعب بالمشاكل الوطنية في الإطار الإقليمي، وكلما تحولت الدولة إلى أداة بيد تحالف رأسمالي طفيلي، زاد شعور الجماعات المهمشة بأن الخروج من الوطن أو الانكفاء الهوياتي أصبح حقًا متاحًا وربما ضرورة للبقاء.
وفي هذا المشهد، لا يكون الضحايا من المعدّنين إلا الحلقة الأحدث في سلسلة طويلة من الضحايا الذين يُصنعون ثم يُستبعدون ثم يُقتلون، بينما تستمر النخب في تبرير القتل بالخوف من الآخر، وتستمر القوى الإقليمية في استثمار هذا الخوف لتحقيق مكاسب مؤقتة، ويستمر المجتمع في دفع الثمن من وجدانه ووحدته وكرامته.
إن تجاوز الأزمة لا يمكن أن يحدث بمجرد تغيير الخطاب أو إصدار بيانات إدانة، بل يتطلب تفكيكًا شاملًا لبنى الخوف وصناعة الكراهية، وإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة المتساوية التي تتقدم على الانتماءات الإثنية والجهوية، وإيقاف تحويل الوطن إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية. وبدون ذلك، ستبقى المسوغات الجاهزة تُستخدم ضد كل ضحايا جدد، وسيبقى الوجدان السوداني المشترك مهددًا بالتفكك، وسيظل الانفصال الوجداني، ثم المادي، خيارًا متاحًا طالما ظلت الدولة المتسلطة رهينة لتحالف طفيلي يتاجر بالموارد والقضايا الإنسانية وتناقضات الخوف السوسيولوجي الإقصائي.

أستاذ جامعي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.