مصر تقتل أبناء السودان وتصمت حكومة بورتسودان.. لا سيادة بلا كرامة ولا وطن بلا دفاع عن الأرض!
كتب - مكين حامد تيراب
ما يجري في شمال الوادي، بمنطقة جبل العقيدات ، من استهداف المعدّنين السودانيين وضربهم بالطيران والمسيّرات والمدافع ، يضع العلاقات السودانية المصرية أمام اختبار خطير ، ويطرح سؤالاً لا يجوز الهروب منه: من يحمي دماء السودانيين حين يصبحون ضحايا لهجمات خارجية من مصر في داخل حدود بلادهم و أرضهم.
إن التقارير المتداولة عن تكرار هذه الاعتداءات التي إعترفت بها دولة مصر ، فإذا نحن أمام قضية لا تحتمل الصمت ولا المجاملة ولا دفن الرؤوس في الرمال و الحديث عن الاعتداء الثالث على عمال مدنيين سودانيين ليس تفصيلاً عابراً ، ولا حادثاً يمكن تجاوزه ببيان بارد أو بتبريرات دبلوماسية؛ إنها أرواح سودانية ، ودماء تُراق ، وحقوق يجب أن تُصان ، وسيادة وطنية لا يجوز أن تكون محل مساومة.
مصر الرسمية مطالبة بإجابة واضحة: لماذا يُستهدف المعدّنون السودانيون في أرضهم؟ ومن أصدر الأوامر؟ وأين نتائج التحقيقات والمحاسبة إذا ثبت وقوع هذه الهجمات؟
إن خطورة ما يحدث تتضاعف حين يرتبط الأمر بمنطقة تتحدث تقارير عن غناها بالذهب والمعادن النفيسة. فهل نحن أمام عمليات أمنية عابرة ، أم أن هناك أطماعاً في الأرض والثروة؟ هذه أسئلة مشروعة ، ولا يجوز إسكاتها بالمزايدات أو اتهام كل من يطالب بالحقيقة بأنه يعادي الشعب المصري.
لكن الأخطر من الاعتداء نفسه هو الصمت السياسي. فإذا كانت حكومة بورتسودان عاجزة عن إدانة ما يتعرض له المواطنون السودانيون، أو مترددة في المطالبة بتحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين، فمن حق الشعب أن يسأل: ما قيمة السلطة التي لا تتحرك لحماية مواطنيها؟ وما معنى السيادة إذا كانت دماء السودانيين تُراق ولا تجد من يطالب بحقها؟
إن أي حديث عن تفاهمات أو مصالح أو دعم عسكري ولوجستي لا يمكن أن يكون بديلاً عن حماية الإنسان السوداني. أما الربط بين الصمت الرسمي وأي اتفاقات سرية ، فيظل موضع تساؤل يحتاج إلى أدلة واضحة ، لكنه لا يعفي حكومة بورتسودان من مسؤوليتها السياسية والأخلاقية في الدفاع عن المواطنين وكشف الحقيقة كاملة.
لقد آن الأوان للخروج من سياسة المجاملة التي تجعل حقوق السودانيين آخر ما يُناقش على موائد السياسة. المطلوب موقف رسمي واضح ، واحتجاج دبلوماسي لا لبس فيه ، وتحقيق مستقل وشفاف في وقائع الاستهداف، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، وتعويض الضحايا وأسرهم، وضمان عدم تكرار هذه الاعتداءات.
كما أن واجب السودانيين اليوم هو التكاتف للدفاع عن أرضهم وسيادتهم وثرواتهم، عبر التعبئة الشعبية السلمية، والعمل القانوني والدبلوماسي، وتوثيق الانتهاكات، ورفع صوت الضحايا إلى المنظمات الإقليمية والدولية. فالدفاع عن الوطن لا يعني فتح أبواب حرب جديدة، بل يعني رفض أن يصبح المواطن السوداني مستباحاً، وأن تتحول ثروات بلاده إلى غنيمة، وأن تُعامل سيادته باعتبارها ورقة تفاوض.
لسنا دعاة عداء مع الشعب المصري، ولسنا خصوماً للشعوب بسبب سياسات حكوماتها، لكننا لن نقبل أن تُدفن دماء السودانيين تحت لافتة الأخوة والجوار. الأخوة الحقيقية تُقاس باحترام الأرض وصون الدماء، لا بالشعارات التي تُرفع حين تخدم المصالح وتُنسى حين يكون الضحايا سودانيين.
ولن نقبل أن تكون ثروات السودان مطمعاً، أو أن يصبح صمت السلطة ثمناً لأي دعم خارجي، أو أن تُختزل كرامة شعب كامل في حسابات الحكام.
إن الأرض ليست للبيع، والسيادة ليست للمساومة، ودماء السودانيين ليست رخيصة.
ومن يعتدي على مواطنينا يجب أن يُحاسب، ومن يصمت عن حقوقهم يجب أن يواجه أسئلة الشعب، ومن يفرّط في سيادة السودان لا يمكن أن يختبئ إلى الأبد خلف شعارات الوطنية.
أما مصر الرسمية، فنقول لها بوضوح: الجوار لا يمنح حق الاعتداء، والمصالح لا تبرر سفك الدماء، والتاريخ المشترك لا يمنح أحداً حصانة من المساءلة.
فلا سلام مع الاستباحة، ولا كرامة مع الصمت، ولا سيادة لوطن لا يدافع عن أبنائه.