من الغريب حقاً أن ينسى وزير الخارجية المصري الحالي درساً قديماً تعلمته بلاده “بالطريقة الصعبة” فالدولة التي جمد الاتحاد الأفريقي عضويتها عام 2013، ولم يسمح لها بالعودة إلا بعد إجراء انتخابات وخارطة طريق واضحة، هي نفسها التي تحاول اليوم إقناع الأفارقة بكسر قوانينهم وتجاوز مواثيقهم من أجل السلطة الحالية في السودان.
ويبدو أن الوزير بدر عبد العاطي قد سقط في فخ تجاهل التاريخ القريب، فكانت النتيجة صدمة دبلوماسية أضرت بالسودان وأحرجته في وقت هو أحوج ما يكون فيه للسند الحقيقي لا “للفهلوة” السياسية.
إن السودان ليس مجرد عضو عابر في القارة، بل هو “ثالث ثلاثة” من الآباء المؤسسين لمنظمة الوحدة الأفريقية، وهذا الإرث التاريخي كان يفرِض على حلفائه في القاهرة والجزائر تعاملاً يليق بمكانة الخرطوم. لكن ما حدث هو أن الإلحاح المصري لرفع التجميد عن السودان دون تقديم “ثمن ديمقراطي” أو مخرج سياسي، كان بمثابة “الدب الذي قتل صاحبه”.
فمن جهة، أعادت هذه الخطوة تسليط الضوء على أن السلطة الحالية في السودان “غير قانونية” وفق معايير الاتحاد الأفريقي، ومن جهة أخرى، دفعت قادة القارة كجنوب أفريقيا وكينيا إلى التشدد وإغلاق الباب بالمفتاح خوفاً من أن يصبح السودان “سابقة” تسمح لكل انقلاب عسكري في القارة بنيل الشرعية.
ولا يكتمل هذا المشهد المؤلم دون التوقف عند الموقف الجزائري الذي نزل كالصاعقة على وجدان الشعب السوداني. فالسودانيون الذين فتحوا صدورهم وبيوتهم للجزائريين في ملحمة “أم درمان” الكروية الشهيرة، وانحازوا للفريق الجزائري بكل جوارحهم، لم يتوقعوا أن ترد الجزائر التحية بموقف سياسي ينحاز لأطراف الحرب في محاولة لهزيمة دعاة السلام. إنها مفارقة موجعة أن يقف الشعب السوداني مع الجزائر في “مباراة كرة”، بينما تقف الدبلوماسية الجزائرية ضد تطلعات السودانيين في “مباراة البقاء”، لتثبت أن المصالح الأمنية الضيقة للقاهرة والجزائر تتقدم على إرادة الشعوب وصداقاتها التاريخية.
إن الحقيقة المرة التي كشفتها كواليس أديس أبابا هي أن نفوذ مصر في أفريقيا بات “ورقياً” أكثر منه حقيقياً، وأن لغة “المجاملة” لا تصمد أمام المواثيق الصارمة. لقد أثبتت هذه الأزمة أن السودان يحتاج اليوم للحماية من “اندفاع” حلفائه الذين يتاجرون بقضاياه لتثبيت نفوذهم، أكثر من حاجته لمواجهة خصومه. ويبقى لسان حال السودانيين اليوم يلهج بالدعاء “اللهم اكفني شر أصدقائي، أما أعدائي فأنا كفيل بهم”، فقد كانت رصاصة “عبد العاطي” الدبلوماسية في قدم السودان أشد إيلاماً من أي عداء صريح.