في يوم دخول الحرب عامها الرابع، إنفجر دماغي بنوع أسئلة، لا تسأل كي تجاب. هي علي الأقل مسبار أنقب به تحت هذا الركام والأنقاض، بحثا عن ذاتي المهدرة.
هي أسئلة فاحصة أحاول بطرحها لنفسي إعادة تعريف ذاتي بما يتسق مع هذا الواقع المتغير العاصف، إذ عندما يتسلل غبار الحرب الي رئاتنا وانسجتنا الداخلية، يصبح من الضروري، أن أسال نفسي وباستمرار من “أنا”.
وهل “انا” سأظل علي الدوام “أنا”، أم أنني أكون أحيانا لست “أنا”. بل ربما بالضبط غيري.
علي أية حال، فما ينير بداخلي في هذه اللحظة، هو فانوس سحري أسلطه لإضاءة زوايا معتمة داخل نفسي، لأفتش عن نفسي، التي أضاعتني أو أضعتها تحت غبار هذه السنين الثلاث.
أحاول الآن أن اجتاز معكم هذا الصراط، وأن أقطع هذه المسافة الداخلية “بيني _ وبيني”. لكن آهٍ، لو أني إستطيع اختبار الصواب خارج كل هذا الطقس المزعج. المهم ففي مثل هذا المنعطف المثقل بظلال القلق، يختلطُ نزيـف الواقع بحلاوة الوهم، ليقفُ كل إنسان أمام مرآة روحه الشاردة، قبل أن يجد نفسه محاصراً بـ “هندسة انحراف” شديدة الإحكام.
فإن ما نري في عالم اليوم ليس هو مجرد حروب وصراعات سياسية أو أزمات عابرة، بل إنها تجليات “مرحلة ما بعد الحقيقة”، التي أُريد لها أن تكون سجناً من زجاج، لا يُرى فيه إلا ما يشتهيه السجّان، الذي اوقفنا بين يافطتين حادتين هما: “وَلأُضِلَّنَّهُمْ”، “وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ”.
فالشيطان بطبيعة حاله لا يسعى لقتلك، بل يسعى لـ “إعادة صياغتك” كما يريد هو. يبدأ أولا ببعثرة بوصلتك في تيه الضلال، ثم يسكبُ في وعيك خمر “التمني”؛ توطئة لإغراقك في صخب سردياته المضللة، كي يسقطك في أحابيل مكره وتزيينه، قبل أن تغدو “كائناً مجتراً” تماما لكثير من أفكاره الضالة والفاسدة.
السابق بوست