الأبيّض .. أبْ قّبّة، فحل الدّيُوم: حين يفقدُ مثلّث حَمدى أحدَ أضلاعه
بدون زعل - عبدالحفيظ مريود
رفعتْ د. أمانى الطّويل عقيرتها بالبكاء، كما تقولُ العرب. تطلبُ إلى أمريكا أنْ تتدخّل حتّى لا “تسقطُ” مدينةُ الأبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، ومقرُّ الفرقة الخامسة مشاة، فى يد قوّات الدّعم السّريع. وبكاءُ أمانى الطّويل ما هو إلّا مكاء وتصدية. يُشبهُ بكاء أركو منّاوىّ قبيل تحرير الفاشر، مناشداً الأمم المتحدّة ( يا أمم المتحدّة..الفاشر تهترق).
فما الذى يوجعُ أمانى الطّويل؟
ما يوجعُها – حقّاً – هو التّذكار. وهو وجعٌ يعرفُه المحبّون والعشّاق.
ذلك أنَّ الخديوى كان قد أرسل الجنرال غردون حاكما على السُّودان. للقضاء على تجارة الرّقيق، وللقضاء على الثورة المهديّة. سواءً بمفاوضة المهدىّ وإقناعه باقتسام السُّودان، أو ب “الحسم العسكرىّ”. لكنَّ الخطّة الأنفع، الأجدى، كانتْ أنْ يتنازل الخديوىّ للمهدىّ عن غرب السُّودان. لكنَّ غرور غردون ساقه إلى أبعد من ذلك. كانت قوّاتُ “الدّراويش” تحاصرُ الأبيّض وبارا. سقطتْ بارا. ثمَّ تلتها الأبيّض. بعد الأبيّض اتّجهتْ قوّات المهدىّ إلى الخرطوم.
ذلك ما يوجعُ أمانى الطّويل.
الذكرى..
شايف كيف؟
والأبيّض أكبر بورصة للصّمغ العربىّ فى العالم. وعاصمة الضأن الحَمَرىّ والكبّاشىّ. الأبيّض هى : محمّد المكىّ إبراهيم، عبد اللّه الكردفانىّ، سوار الذّهب، جريدة كردفان، فرقة فنون كردفان، منصور بشير تنقا، “شارع فى حىّ القُبّة” لفضيلى جمّاع، وموطنٌ للنساء الجميلات بلا منافس.
لكنَّ الأبيّض عطشى.. على مرّ السنين.
الأبيّض أحد أضلاع مثلّث حمدى، مع ذلك.
لماذا هى أحد أضلاع المثلّث؟
لأنَّ النّخبة منذ خروج الانجليز، وجدتْ ضالتّها فى ثلاث بقراتٍ سمان، يدررنَ لبناً، يلدن عجولاً، تبقى النّخبة متخمةً، رافلة فى النّعيم. الإقليم الأوسط (بالتقسيم القديم: الجزيرة، سنّار، النّيل الأبيض والنّيل الأزرق). ثمّ القضارف: البقرة الحلوب. تجيئُ الأبيّض، شمال كردفان لتشكّل الضّلع الثالث. مثلّث حمدى – جغرافيّاً – يحجبُ أكثر مما يفصح. حمدى صاغه بهذه الطّريقة فقط. فقد ركّزتِ النّخبُ الحاكمة منذ رحيل الانجليز على ذلك. المصانع فى النّيل الأبيض، فى سنّار، الجزيرة. الكهرباء القادمة من الروصيرص، الأخشاب. المشاريع المدرّة فى القضارف، الصمغ والضأن والإبل فى شمال كردفان.
من أين تعلّمتِ النُّخب الحاكمة ذلك؟
من مصر، أوّلاً، ثمَّ من الإنجليز.
ذلك أنَّ جيوش إسماعيل باشا دخلتْ قاصدةً سنّار وكردفان. تبعها أذناب الاستعمار فتعلّموا كيف يمصُّون خيرات البلاد، يستنزفونها، يركلون إنسانها. أسماه عبد الرّحيم حمْدى، وزير المالية الأشهر فى الإنقاذ ب “المثلّث”.
لكنَّ حمدى – كبقية النّخبة التى تسلّطتْ على البلاد – يعرفُ أنَّ جهات السُّودان الأربع، لم تشهد مصانع لتساعد فى تنميّتها. إلّا مصنع ألبان بابنوسة، مصنع كريمة لتعليب الخضر والفاكهة، مصنع سكّر “ملّوط” فى أعالى النّيل. إثنان منهما دارت ماكيناتهما بضع سنوات، ثم توقّفت (بابنوسة – كريمة)، بينما الثالث لم يجرِ تركيبه. بينما خلتْ دارفور، شمال وجنوب كردفان، الشّرق عامّة من أىّ مصانع أو مشاريع كبرى.
لذلك تجدُ النّخب الحاكمة منتبهةٌ للمناطق التى تغذّى جيوبها.
لن تكون الأرضُ محكّاً للسيادة إلّا بقدر ما تدخلُه فى جيوب القوم.
بالنّسبة لأمانى الطّويل، الأكاديميّة والخبيرة الاستراتيجيّة المصريّة، فالمسألة يمكنُ صياغتها كالآتى:
لقد فشل التلاميذ فى الدّرس حين جعلوا الأبيّض مهددة، وتوشكُ على أنْ تتملّص من بين أيدينا.
ليس درس غردون باشا، وحسب. وإنّما درس مدينة الفاشر القريب جدّاً.
من المؤسف أنْ لا أحدَ ينتبه إلى سؤال :
كيف “تسقطُ” المدن والفرق العسكريّة؟
وإلى حين يأخذُ السؤال مكانه فى الحرب هذه، سيستمرُّ الدّعم السّريع فى أخذ حسان المُدن. فالأبيّض، مثل الفاشر وبابنوسة، كما يقولُ الفاضل الجبّورى (فرس شايعة..تلخانس يمين..شمال)، ثم لا تلبث أنْ تفتح فمها. هل تحتاجُ أمانى الطّويل إلى ترجمةٍ من أىّ نوع؟
لا أظنُّ ذلك.
كما قال محمود درويش:
لا شيئَ يكسرُنا،
وتنكسرُ البلادُ على أصابعنا كفخّار.
شايف كيف؟