Fajr Press

الطوق الاجتماعي والوعي المكتسب هل يولد المشروع الوطني من رحم الكارثة؟

بقلم - أدم مكرم

لم تكن حرب الخامس عشر من أبريل مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين تتنازعان السلطة والنفوذ؛ بل مثلت لحظة تاريخية فارقة أعادت تشكيل المجتمع السوداني، وكشفت عن البنية العميقة للأزمة الوطنية التي ظلت تتراكم منذ نشأة الدولة الحديثة. ففي خضم الانهيار المؤسسي، ونزوح الملايين، وتفكك الخدمات الأساسية، برزت ظاهرة اجتماعية لافتة يمكن توصيفها بـ”الطوق الاجتماعي”؛ ذلك النسيج التضامني الذي صنعه الناس بأيديهم في مواجهة الغياب الكامل للدولة.
لقد أُجبر السودانيون على إعادة اكتشاف بعضهم البعض خارج وساطة السلطة. ففي الأحياء والمدن ومعسكرات النزوح وبلدان اللجوء، تشكلت لجان للمساعدة، ومطابخ جماعية، وشبكات للإيواء، ومبادرات طوعية لتوفير الدواء والغذاء والتعليم والحماية. لم تكن هذه المبادرات مجرد استجابة إنسانية عابرة، بل مثلت شكلاً من أشكال التنظيم الاجتماعي البديل، ووعياً عملياً بأن المجتمع قادر على إنتاج أدوات بقائه عندما تفشل الدولة في أداء وظائفها الأساسية.
هذا “الطوق الاجتماعي” لم يكن خالياً من التناقضات، لكنه كشف عن حقيقة جوهرية: أن السودان لا يعاني فقط من أزمة حكم، بل من أزمة مشروع وطني. فالحرب أزاحت الأقنعة التي طالما أخفت هشاشة الدولة المركزية، وعرت خطابات النخب التي ظلت تتحدث باسم الوطن فيما عجزت عن بناء مؤسسات تحمي المواطنين وتصون كرامتهم.
ومن قلب هذه التجربة القاسية، نشأ ما يمكن تسميته بـ”الوعي المكتسب”. إنه وعي لم يتشكل في قاعات المؤتمرات أو عبر الشعارات السياسية الجاهزة، وإنما وُلد من المعايشة اليومية للخوف والفقد والنزوح والتكافل. وعي أدرك أن الانتماءات الضيقة ــ القبلية والجهوية والحزبية ــ حين تتحول إلى أدوات للاستقطاب السياسي تصبح وقوداً للحروب، وأن بقاء الوطن ذاته أصبح رهناً بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة.
لقد تعلم السودانيون، بثمن باهظ، أن الدولة ليست غنيمة تتقاسمها النخب المنتصرة، بل عقد اجتماعي يقوم على المواطنة المتساوية والعدالة وسيادة القانون. كما أدركوا أن احتكار القوة خارج المؤسسات الوطنية يقود بالضرورة إلى انهيار المجال العام، وأن السلام ليس مجرد اتفاق بين المتحاربين، بل عملية تاريخية لإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع.
غير أن تحويل هذا الوعي المكتسب إلى مشروع وطني ليس مهمة تلقائية. فالذاكرة الجمعية للحروب يمكن أن تصبح مصدراً للتغيير، كما يمكن أن تتحول إلى مخزون جديد للأحقاد والرغبة في الانتقام. هنا يبرز دور القوى الوطنية والمثقفين ومنظمات المجتمع المدني والشباب والنساء في صوغ خطاب جديد يتجاوز ثنائية الغالب والمغلوب، ويؤسس لرؤية مشتركة لمستقبل السودان.
إن المشروع الوطني المنشود لا ينبغي أن يقوم على إنكار التنوع السوداني، بل على الاعتراف به وإدارته ديمقراطياً. مشروع يعيد الاعتبار للعدالة الانتقالية، ويضع التنمية المتوازنة في قلب العملية السياسية، ويؤسس لجيش مهني واحد يخضع للسلطة المدنية، ويمنح الأولوية لبناء المؤسسات بدلاً من تقديس الأفراد.
لقد كانت حرب 15 أبريل مأساة إنسانية بكل المقاييس، لكنها في الوقت نفسه فتحت نافذة نادرة للتأمل والمراجعة. فالأمم، في كثير من الأحيان، تعيد اكتشاف نفسها في لحظات الانكسار الكبرى. والسؤال الذي يواجه السودانيين اليوم ليس فقط كيف يوقفون الحرب، بل كيف يحولون الألم المشترك إلى وعي وطني مشترك، وكيف يجعلون من الطوق الاجتماعي الذي حمى الناس في زمن الغياب نواةً لعقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة تستمد مشروعيتها من خدمة مواطنيها لا من إخضاعهم.
إن المستقبل لن يبنيه الذين يتعاملون مع الوطن بوصفه ساحة لتصفية الحسابات، وإنما أولئك الذين فهموا الدرس القاسي الذي لقنته الحرب للجميع: لا وطن بلا مواطنة، ولا دولة بلا مجتمع، ولا سلام دائم بلا مشروع وطني جامع يتسع للجميع.
م / آدم مكرم
كمبالا ١٥ يونيو٢٠٢٦
engineermakram@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.