Fajr Press

حين يصبح استقلال المثقف موقفاً سياسياً: تفكيك مقال عمر الدقير عن المثقف والحرب.

كتب - عبدالرحمن العاجب

يبدو مقال عمر الدقير “المثقف في زمن الحرب: بين استقلال الضمير وقيود الاصطفاف” للوهلة الأولى دفاعاً عن استقلال المثقف وحقه في مساءلة جميع أطراف الحرب السودانية وفق معيار أخلاقي واحد، وهي أطروحة يصعب الاختلاف مع جوهرها العام، لكن الاقتراب من المقال بتدقيق أكبر يكشف أن المشكلة ليست فيما يقوله فقط، وإنما في الأسئلة التي يطرحها ثم لا يذهب بها إلى نهاياتها المنطقية.

عمر الدقير ينطلق من فرضية أن المعضلة الأساسية التي تواجه المثقف في زمن الحرب هي خطر تحوله من “مثقف قضية” إلى “مثقف معسكر” لكن هذا التصوير، على أهميته، يختزل أزمة المثقف السوداني في مسألة أخلاقية فردية، بينما الأزمة أعمق من ذلك بكثير.

فالمثقف لا يتحرك في فراغ، ولا يختار موقعه السياسي بمعزل عن التاريخ والاجتماع وموازين القوة وموقع الجماعات التي ينتمي إليها، لذلك فإن السؤال ليس فقط: هل حافظ المثقف على استقلال ضميره؟ وإنما أيضاً: استقلاله عن ماذا؟ ولصالح من؟ وفي مواجهة أي بنية من بنى السلطة؟

المقال يرفع “وحدة المعيار” إلى مرتبة تكاد تكون قاعدة مطلقة، لكن وحدة المعيار لا تعني بالضرورة وحدة المسؤولية، فالمساواة بين الجميع أمام المبدأ الأخلاقي لا تعني المساواة بين الجميع في القدرة على ارتكاب الفعل، أو في حجم المسؤولية عنه، أو في طبيعة السلطة التي يمتلكها كل طرف، ومن هنا يصبح الإصرار على “المعيار الواحد” بحاجة إلى تمييز أكثر صرامة بين المساواة الأخلاقية والمساواة السياسية.

المشكلة الأخرى أن المقال يتحدث كثيراً عن “الانتهاكات والضحايا والحقيقة” لكنه لا يقدم معياراً واضحاً لكيفية تحديد الحقيقة نفسها، في حرب مشبعة بالدعاية والمعلومات المضللة، لا تكفي دعوة المثقف إلى حماية الحقيقة، السؤال الأكثر إلحاحاً هو: كيف يعرف المثقف الحقيقة؟ وما الذي يفعله عندما تتعارض الروايات؟ وما موقع الشهادة والوثيقة والتحقيق المستقل في إنتاج موقفه؟ وما الحد الفاصل بين المعلومة غير المكتملة والمعلومة الكاذبة؟

هذه الأسئلة ليست تفاصيل منهجية هامشية؛ بل هي في صميم استقلال المثقف، لأن المثقف الذي يرفع شعار الحقيقة من دون أن يمتلك منهجاً للتحقق منها قد يتحول، من حيث لا يقصد، إلى ناقل لرواية أحد أطراف الحرب، حتى لو كان مقتنعاً بأنه يمارس استقلاله.

والأهم من ذلك أن الدقير لا يواجه بما يكفي السؤال الأصعب: هل يمكن للمثقف أن يكون مستقلاً عن جميع أطراف الحرب، لكنه في الوقت نفسه منحاز بصورة واضحة إلى قضية سياسية وأخلاقية؟ بالطبع يمكن، بل إن الاستقلال لا يعني الوقوف في منتصف المسافة بين الظالم والمظلوم، ولا يعني توزيع الإدانة بالتساوي لمجرد إثبات النزاهة، لكن إذا كان الأمر كذلك، فإن الخطاب عن “الاستقلال” يحتاج إلى تعريف أكثر دقة حتى لا يتحول إلى موقع سياسي مستتر خلف لغة أخلاقية.

فالمثقف ليس مطلوباً منه أن يكون “محايداً” لكنه مطالب بأن يعرف حدود انحيازه، يستطيع أن ينحاز إلى الدولة المدنية، وإلى الديمقراطية، وإلى العدالة، وإلى إنهاء الحرب، لكنه يفقد استقلاله عندما يصبح مستعداً لتبرير انتهاكات حلفائه باسم هذه القيم.

وهنا تحديداً توجد نقطة قوة في مقال عمر الدقير، لكنها أيضاً نقطة لم يستثمرها بما يكفي: المشكلة ليست في الانحياز، وإنما في تعليق النقد بسبب الانحياز، فالانحياز إلى قضية لا يمنح أحداً حصانة أخلاقية، لكن هذه القاعدة ينبغي أن تطبق على الجميع، بما في ذلك المثقف نفسه. ومن حق القارئ أن يسأل: هل يقدم عمر الدقير معياراً نقدياً يمكن تطبيقه على مواقفه ومواقف التيار السياسي والفكري الذي ينتمي إليه، أم أنه يقدم معياراً يصلح فقط لنقد الآخرين؟ هذه النقطة مهمة لأن المقال يتحدث عن “المثقف” بصيغة عامة، بينما هو في الواقع يتدخل في سجال سياسي وفكري محدد داخل سياق الحرب السودانية.

ولذلك فإن تعميم النقاش قد يحجب بعض مواقفه السياسية الفعلية، فحين يتحول الحديث عن المثقف إلى حديث مجرد عن “الضمير والحقيقة والسلام” فإننا نقترب من منطقة أخلاقية عامة يتفق معها الجميع تقريباً، لكننا نبتعد عن المنطقة الأصعب: ماذا يعني هذا الكلام عندما يطبق على الوقائع المحددة، وعلى الفاعلين المحددين، وعلى القرارات المحددة؟ وهنا تكمن المعضلة الأساسية في المقال: أنه أكثر قوة في صياغة المعيار الأخلاقي من اختباره في الواقع السياسي.

يقول عمر الدقير إن المثقف ينبغي أن يقاوم منطق الحرب، وأن يدافع عن التفاوض، وأن يستعيد المجال السياسي من السلاح، لا خلاف كبير على أهمية هذه المبادئ، لكن التفاوض ليس قيمة مجردة؛ فهو عملية سياسية لها أطراف وشروط وموازين قوة ومخرجات محتملة، والسؤال الحقيقي ليس: هل نريد السلام أم الحرب؟ وإنما: أي سلام؟ وبأي شروط؟ وكيف نضمن ألا يتحول السلام إلى إعادة إنتاج للأسباب التي قادت إلى الحرب؟ ومن يدفع ثمن التسوية؟ ومن يضمن العدالة للضحايا؟ وهل يمكن بناء سلام دائم من دون معالجة جذور أزمة الدولة والجيش والحركات المسلحة والتهميش السياسي والاجتماعي؟

كان يفترض بالمقال، إذا أراد فعلاً أن يكون تدخلاً في النقاش السوداني، أن يذهب إلى هذه المنطقة الشائكة بدلاً من الاكتفاء بالمستوى الأخلاقي العام، ثم إن تحميل المثقف مسؤولية “استشعار نذر الكارثة” و”صياغة البدائل” يرفع سقف دوره إلى درجة تكاد تجعله فاعلاً سياسياً متكاملاً، وهنا يظهر تناقض آخر: إذا كان المثقف مطالباً بالتدخل في صناعة البدائل السياسية، فهو ليس مراقباً مستقلاً يقف خارج السياسة، وإنما طرف فيها، وإذا كان طرفاً فيها، فإن السؤال يصبح: كيف يعلن موقعه ومصالحه وانحيازاته بوضوح، ثم يحافظ في الوقت نفسه على قدرته النقدية؟

ربما كان الأفضل للدقير أن يتخلى عن الصورة المثالية للمثقف المستقل، وأن يتبنى تصوراً أكثر واقعية: المثقف ليس كائناً بلا انحيازات، وإنما إنسان له انتماءات ومصالح وذاكرة ومخاوف، قوته ليست في ادعاء التحرر الكامل منها، وإنما في كشفها ومراجعتها باستمرار، وعدم السماح لها بإلغاء عقله النقدي.

وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى المثقف في زمن الحرب ليس فقط: :مع من تقف؟” ولا حتى: “هل أنت مستقل؟” السؤال الأصعب هو: هل تستطيع أن تقول الحقيقة عندما تصبح الحقيقة ضد جماعتك؟

فالمثقف الذي يرى جرائم خصمه بوضوح ويبحث عن الأعذار لجرائم حليفه ليس مستقلاً، مهما كانت فصاحة خطابه، والمثقف الذي يدين العنف حين يصدر من خصمه ويعيد تفسيره حين يصدر من حليفه لا يمارس النقد، بل يمارس الانتقاء، وفي المقابل، فإن المثقف الذي يساوي بين كل شيء لمجرد إثبات استقلاله قد يقع في خطأ آخر: تحويل المسؤوليات المختلفة إلى صورة واحدة من الشر، لذلك فإن القيمة الحقيقية لاستقلال المثقف لا تظهر عندما ينتقد خصمه، وإنما عندما يصبح نقد حليفه مكلفاً سياسياً واجتماعياً هناك فقط يُختبر الضمير.

ومن هذه الزاوية، فإن مقال عمر الدقير يفتح باباً مهماً، لكنه لا يغلقه، لقد تحدث عن استقلال المثقف، لكنه لم يضع نفسه وموقفه السياسي بالقدر نفسه تحت مجهر هذا الاستقلال، وتحدث عن وحدة المعيار، لكنه لم يختبر بما يكفي حدود هذه الوحدة أمام اختلاف المسؤوليات، ودافع عن السلام والمسار السياسي، لكنه لم يناقش بصورة كافية طبيعة التسوية التي يمكن أن تنتج سلاماً لا يعيد إنتاج الحرب، لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً بعد مقال عمر الدقير ليس: هل يجب أن يكون المثقف مستقلاً؟ الإجابة سهلة: نعم.

لكن السؤال الأصعب هو: كيف نعرف أن المثقف مستقل عندما يصبح استقلاله نفسه موقفاً سياسياً؟ هنا تبدأ المعركة الحقيقية حول دور المثقف السوداني، وهنا أيضاً ينبغي أن يخضع المثقف نفسه للمعيار الذي يطالب الآخرين بالخضوع له.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.