قرأت مقال عمر الدقير «المثقف في زمن الحرب: بين استقلال الضمير وقيود الاصطفاف»، فوجدت فيه امتداداً مهماً لنقاش يتجاوز الأشخاص والمواقف، ليصل إلى سؤال أعمق يتعلق بموقع المثقف ومسؤوليته في زمن الحرب.
تاريخياً، ارتبط دور المثقف بالانحياز إلى قضايا الإنسان والحرية والعدالة والكرامة، ولم تكن قيمة المثقف في وقوفه على مسافة واحدة من الظلم، وإنما في قدرته على الدفاع عن القيم التي يؤمن بها، مع احتفاظه باستقلال ضميره ونقده.
لكن الانحياز إلى قضية عادلة شيء، والانحياز إلى القوة التي تدّعي تمثيل تلك القضية شيء آخر.
في زمن الحرب، تصبح هذه المسافة شديدة الحساسية. فقد يبدأ المثقف من موقف مبدئي، ثم يجد نفسه تدريجياً أسيراً للمعسكر الذي اقترب منه. وعندها يصبح نقد الحليف صعباً، والاعتراف بضحايا الطرف الآخر تنازلاً، وتتحول اللغة من أداة لفهم الواقع إلى جزء من الصراع نفسه.
وهنا تظهر قيمة الاستقلال الحقيقي للمثقف. ليست المسألة في أن يكون بلا موقف أو بلا انحياز، وإنما أن يظل قادراً على مساءلة القريب كما يسائل البعيد، وأن يرى الإنسان قبل المعسكر، والعدالة قبل الولاء.
فالمعيار الواحد لا يعني مساواة مصطنعة بين الأطراف، ولا تجاهل اختلاف المسؤوليات والوقائع، لكنه يعني أن الانتهاك لا يصبح مقبولاً بسبب هوية مرتكبه، وأن الضحية لا تفقد حقها في التعاطف والعدالة لأنها تنتمي إلى الجهة الأخرى.
وربما ما نشهده اليوم يتجاوز مراجعة المثقف لمواقفه إلى تحول أوسع في الوعي العام. فالمجتمع الذي دفع الثمن الأكبر للحرب يصبح، مع مرور الوقت، أكثر حساسية تجاه الخطابات التي تبرر استمرارها، وأقل استعداداً لقبول الحقيقة باعتبارها ملكاً لمعسكر دون آخر.
وهنا يستعيد الشارع موقعه في معادلة الوعي.
فالناس لا تحتاج إلى مثقف يردد ما تريد سماعه، ولا إلى صوت منفصل عن واقعها، وإنما تحتاج إلى من يساعدها على رؤية الصورة كاملة، ويحافظ على مساحة العقل وسط ضجيج الحرب، ويدافع عن السلام والحرية والعدالة دون أن يحولها إلى شعارات انتقائية.
ولعل أهم ما يمكن أن يفعله المثقف الآن هو حماية القضايا العادلة من أن تتحول إلى غطاء للعنف، وحماية الحقيقة من أن تصبح ضحية للاصطفاف، واستعادة السياسة من أسر السلاح.
قد لا يستطيع المثقف أن يوقف الحرب، لكنه يستطيع ألا يصبح جزءاً من اللغة التي تطيل عمرها. وقد لا يملك تغيير موازين القوة على الأرض، لكنه يستطيع أن يسهم في تغيير موازين الوعي.
وفي النهاية، قد تنتهي الحرب، لكن ما نزرعه اليوم في اللغة والوعي والذاكرة سيبقى طويلاً بعدها.
لذلك تظل مسؤولية المثقف، قبل كل شيء، أن ينحاز إلى الإنسان، وأن يحافظ على استقلال ضميره، وأن يظل قادراً على قول الحقيقة حتى عندما لا تكون مريحة لأصدقائه ولا نافعة لمعسكره.
كمبالا ٢٥/٩/٢٠٢٦ م
engineermakram@gmail.com