Fajr Press

الممرضة والسياسي: من الذي اغتال نجوى قدح الدم؟

بقلم - عمار نجم الدين

في مايو 2020، وبينما كان السودان يعيش واحدة من أكثر لحظاته السياسية التباسًا، حطّت طائرة صغيرة في مطار الخرطوم قادمة من مطار بن غوريون الإسرائيلي. لم تكن رحلة عادية، ولم يكن ركّابها كذلك. على متنها فريق طبي مُجهّز، في مهمة أُحيطت بسرية تامة، هدفها معالجة ونقل شخصية سودانية قريبة من دائرة القرار السيادي: الدبلوماسية نجوى قدح الدم.

لم تكن نجوى قدح الدم مجرد مريضة أُصيبت بفيروس كورونا. كانت مستشارة سابقة للرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، وعلى صلة مباشرة برئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، في توقيت بالغ الحساسية سياسيًا. وجاءت هذه الرحلة بعد ثلاثة أشهر فقط من اللقاء السري الذي جمع البرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عنتيبي، ضمن مسار اتصالات غير معلن بين الخرطوم وتل أبيب.

كان من المفترض أن تبقى الرحلة طيّ الكتمان، غير أن مسارها غير المعتاد جعلها قابلة للتتبع، فانكشف أمرها لاحقًا. أما نهاية القصة، فجاءت داخل الخرطوم، حيث توفيت نجوى قدح الدم قبل إتمام عملية النقل، لتتحول الواقعة من إجراء طبي استثنائي إلى ملف سياسي مفتوح على أسئلة لم تُجب حتى اليوم.
من هنا يبدأ هذا التحقيق.

في زمن الجوائح، لا تحتاج الجرائم إلى رصاصة. لا ضجيج، لا شهود، ولا مسرح دموي. يكفي تقرير طبي مختصر، غرفة عزل مغلقة، وشهادة وفاة تحمل عبارة واحدة قادرة على إغلاق أي ملف: مضاعفات كوفيد-19. هكذا سُجّلت وفاة نجوى قدح الدم في الخرطوم. خبرٌ عابرٌ في حينه، لكنه مع مرور الوقت تحوّل إلى ملف ثقيل، صامت، ومشحون بأسئلة لا تزال بلا إجابة.

نجوى قدح الدم لم تكن اسمًا هامشيًا. كانت دبلوماسية ذات أدوار إقليمية حساسة، وحاملة لمعارف سياسية وأمنية بحكم موقعها السابق، في لحظة كان فيها السودان يعيد تموضعه الخارجي على نحو بالغ الحساسية. هذا السياق وحده كفيل بتفسير لماذا أُدير ملفها الصحي على مستوى سيادي، ولماذا خرج من إطار الإجراءات الطبية الاعتيادية.

بعد وصول الفريق الطبي، لم يتم الإخلاء. انتهت القصة بوفاتها داخل الخرطوم. هنا يبدأ السؤال الاستقصائي المشروع، لا الاتهامي: إذا كان الإخلاء الطبي الخارجي ممكنًا ومُرتّبًا، فلماذا لم يتم؟ ومن الذي اتخذ قرار إبقائها داخل البلاد؟ وهل كان القرار طبيًا بحتًا، أم قرارًا سياديًا في لحظة سياسية استثنائية؟

الوقائع المتاحة تقول إن الوفاة سُجّلت بوصفها نتيجة لمضاعفات كوفيد-19 في مستشفى علياء. ما لا تقوله الوقائع المنشورة هو الأهم: لا يوجد في المجال العام ملف طبي تفصيلي يشرح تسلسل تدهور الحالة، ولا تقارير أشعة، ولا سجل أدوية وتمريض في الساعات الأخيرة، ولا قرار مكتوب يشرح أسباب إلغاء الإخلاء الطبي. هذا الغياب لا يُثبت جريمة، لكنه يمنع نفيها.

وفي خضم هذا الغموض، يبرز سؤال لا يتعلّق بالاتهام بقدر ما يتعلّق بمنهج الوصول إلى الحقيقة. فملف نجوى قدح الدم لا يفرض سؤالًا جنائيًا مباشرًا، بل يفرض سؤالًا إجرائيًا: هل تُصنَّف بعض الشخصيات التي ارتبطت زمنيًا ومهنيًا بمرحلة علاجها بوصفها شهود معرفة محتملين بحكم مواقعهم داخل الإطار الطبي والإداري آنذاك، أم أنهم أطراف يتعيّن الاستماع إليهم ضمن مسار تقصّي الحقائق وفهم ما جرى داخل غرفة العزل وخارجها؟

هذا السؤال لا يحمل إدانة، لكنه يفتح بابًا أكثر خطورة: باب الحماية. ففي القضايا ذات الحساسية السياسية، لا يكمن الخطر فقط في ما يُقال، بل في ما قد يُمنع من أن يُقال. وعليه، يصبح السؤال الأهم هو ما إذا كانت تتوفر ضمانات الحماية القانونية للشهود المحتملين من أي أذى أو استهداف محتمل، بما في ذلك التغييب المتعمّد أو الإقصاء المعنوي، أم أن غياب هذه الضمانات قد يحوّل المعرفة إلى عبء، والخبرة إلى خطر، ويقود—بحكم السياق لا الاتهام—إلى إسكات الحقيقة بدل كشفها.

وفي هذا الإطار، يلفت مراقبون ومحللون إلى مسارٍ لافت لإحدى الشخصيات التي ارتبطت—بحسب إفادات متداولة—بالإطار التمريضي المتصل بمرحلة علاج نجوى قدح الدم. فهذه الشخصية، التي لم تكن معروفة في الفضاء العام قبل أشهر قليلة، شهد حضورها الإعلامي تصاعدًا مفاجئًا عبر محتوى جماهيري باللهجة السودانية يجمع بين الغناء وإلقاء الشعر ورسائل رأي حادّة، وُجِّه معظمها نحو معارضي الحرب وخطاب نظام بورتسودان. ويؤكد متابعون أن هذا التحوّل السريع من دور مهني محدود إلى حضور عام واسع التأثير يُقرأ كسياق محتمل لا كاتهام، ويستدعي التدقيق لا الاستنتاج.

ويذهب بعض المحللين إلى أن هذا الصعود الإعلامي يتقاطع مع أنماط معروفة في إدارة الصراع الرمزي، حيث تُستثمر المنصات الشعبية في التأثير المعنوي والتشويه السياسي دون أدوات رسمية مُعلنة. وفي هذا السياق، يُطرح سؤال مشروع بصيغة احتمال: هل يعكس هذا البروز مبادرة فردية، أم أنه نتاج بيئة دعم وتنظيم لم تُكشف تفاصيلها بعد؟ لا يقدّم هذا السؤال إجابة، لكنه يحدّد اتجاه التحقيق نحو الوثائق.

الأهمية الاستقصائية هنا لا تتعلّق بالشخص بقدر ما تتعلّق بوظيفة الدور. فإذا ثبت—بالسجلات والمستندات—وجود انتقال من إطار مهني مرتبط بملف صحي ذي طابع سيادي إلى نشاط إعلامي موجَّه سياسيًا، فإن ذلك يستدعي فصل الوقائع عن الانطباعات والعودة إلى ما يمكن التحقق منه: سجلات التكليف، أدوار الإشراف، وخطوط القرار. وحتى ذلك الحين، يبقى التوصيف الأدق هو شاهد معرفة محتمل أو طرف للاستماع ضمن مسار تقصّي الحقائق، لا موضع إدانة.

وخلال الجائحة، كانت الظروف مثالية لأي وفاة لا يُراد لها أن تُفحَص بعمق. العزل يمنع الشهود، القيود الصحية تعطل التشريح، والضغط على المنظومة الطبية يختصر التقارير. في هذا المناخ، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل اغتيلت نجوى قدح الدم؟ بل: هل كان التدخل غير الطبي ممكنًا دون أن يترك أثرًا؟ وبحسب المعايير الاستقصائية البحتة، فإن الإجابة هي نعم، كان ذلك ممكنًا إجرائيًا.

الصحافة المسؤولة لا تتهم بلا دليل، لكنها أيضًا لا تصمت حين تتراكم القرائن. اجتماع موقع سياسي حساس، ومسار تطبيع سري، ووصول فريق طبي أجنبي، ووفاة مفاجئة قبل الإخلاء، وغياب ملف طبي علني مفصّل، كل ذلك يرفع القضية من وفاة طبيعية مغلقة إلى ملف مفتوح يستحق تحقيقًا مستقلًا. ليس لأن الاغتيال مؤكد، بل لأن إغلاق الملف دون كشف الوثائق قرار سياسي لا طبي.

قد تكون نجوى قدح الدم قد توفيت فعلًا بسبب مضاعفات كوفيد. وقد تكون ضحية تداخل قاتل بين السياسة والطب في لحظة لم يكن فيها المجال مفتوحًا للأسئلة. ما هو مؤكد أن وفاتها لم تكن حدثًا صحيًا معزولًا، وأن سياقها يتجاوز المستشفى إلى الدولة. وفي الدول التي تحترم حق الحياة، هذا النوع من الملفات لا يُدفن بعبارة طبية مختصرة، بل يُفتح، ويُفحَص، ويُحسم بالوثائق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.