ليست أخطر الأزمات التي تصيب الجيوش هي الهزائم العسكرية، بل انزلاقها من موقع الدولة إلى خندق الفكرة، ومن واجب الحماية إلى منطق الاصطفاف.
وما يتبدّى اليوم في حالة بلادنا لا يشير إلى خلل عابر، بل إلى مسار طويل أوصل المؤسسة العسكرية إلى فقدان معناها الوطني، وتحولها إلى أداة ضمن صراع أيديولوجي ضيق.
أمس شاهدتُ مقطع فيديو لملتحٍ متكرّش، يرتدي زيّ الجيش، مرصّع بالرتب على أكتافه، كأنه “كولن باول” زمانه، وهو يرغي ويزبد، يهرف بما لا يعرف، ويفتي لا في الشؤون العسكرية، بل في شؤون السياسة، محمّلًا القوى الديمقراطية المدنية مسؤولية حربهم وفشلهم السياسي، كما العسكري، ولا ريب!
حين تُدار النقاشات داخل الجيش بلغة الهوية لا بلغة المهنية، وحين يُعاد تعريف الانضباط بوصفه ولاءً فكرياً لا التزاماً بالقانون العسكري، فإننا نكون أمام إعادة تشكيل صامتة لطبيعة المؤسسة نفسها. هنا لا يعود الجيش كياناً جامعاً، بل يصبح تجمعاً انتقائياً، يُكافئ القرب العقائدي ويعاقب الاختلاف، حتى لو كان هذا الاختلاف مهنياً أو وطنياً.
الخطاب الذي يُنتج هذا التحول يقوم على ثنائية مألوفة: نحن المستهدفون / في مواجهة الآخرين المتآمرين.
وهو خطاب يهرب من أي مساءلة تاريخية، ويتجاهل أن تسييس القوات المسلحة، وفتح أبوابها أمام التنظيمات، هو أحد الأسباب الجوهرية لانهيار الدولة وتفككها.
فبدلاً من مراجعة الدور الذي لعبته العسكرة المؤدلجة في إضعاف السياسة والمجتمع، يُعاد تدوير سردية الخطر الوجودي لتبرير مزيد من الإغلاق والاصطفاف.
في هذا السياق، لا تبدو الحرب الراهنة حدثاً مفاجئاً أو اضطرارياً، بل نتيجة منطقية لمسار يرى في القوة المسلحة وسيلة لحماية مشروع فكري، لا لحماية الوطن ذاته.
فحين تصبح البندقية مرتبطة بعقيدة سياسية، تتحول تلقائياً من أداة سيادة إلى أداة صراع داخلي، ومن جيش إلى مليشيا، مهما حملت من رتب وشعارات.
الأخطر أن هذا التحول لا يُقدَّم بوصفه خروجاً عن المؤسسة، بل باعتباره “تحصيناً” لها.
وهي مفارقة فادحة: إذ يجري تصوير الإقصاء على أنه حماية، والتسييس على أنه إنقاذ، والانغلاق على أنه وحدة صف. والنتيجة جيش لا يرى الشعب مرجعيته، ولا الدولة أفقه، بل التنظيم بوصفه مركز القرار ومعيار الانتماء.
بهذا المعنى، لم تعد المسألة متعلقة بمن أشعل الحرب فقط، بل بطبيعة الجيش الذي خاضها. جيشٌ فقد حياده، وتخلّى عن مهنيته، لا يمكنه إلا أن يكون طرفاً في الخراب، لا سداً في وجهه. وحين تختطف الفكرة السلاح، يصبح الوطن أول الضحايا.
إنه جيش كيزان، ولا حل سوى بتحويله إلى جيش للسودان.