Fajr Press

قراءة في فنجان العالم، وعلي كف القدر؟!

كتب - الجميل الفاضل

توقع رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، أن العام الذي مضي 2025، سيكون هو العام الأخير الذي يمكن أن تعيشه أوروبا في سلام.

وأضاف الرئيس اوربان: أن أوضاع القارة الأوروبية حاليا تختلف تماماً عما عاشته من سلام امتد لثمانين سنة، منذ أن انتهت الحرب العالمية الثانية.
فيما قطع مكتب حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بأن العالم بات أقل أمانًا بعد الذي قامت به الولايات المتحدة في فنزويلا.
إذ أن ما فعله ترامب بالقانون وبالنظام الدولي، لن يفعله بكل تأكيد سوي رجل بشخصية ومواصفات ترامب نفسه.
رغم أن عمر ترامب الحقيقي أقل بعام واحد تقريبا، من عمر هذا النظام الدولي الذي يعمل علي تحطيمه الآن.
عموما لا اعرف كيف أن هذا الرجل استطاع بضربة واحدة، أن يجعل الدنيا كلها تغلي فجأة كمرجل تتصاعد أبخرته بقوة أزاحت أو أسقطت الي يومنا هذا كثيرا من المُسلَّماتِ والأقنعة، قبل أن تجبر حتي أقوياء العالم أنفسهم علي مراجعة خرائط نفوذهم التقليدية القديمة، وعلي تحسس محالهم من قواعد الإعراب الجديدة التي فرضها عليهم هذا الرجل المثير للجدل.
في وقت اكتفي ضعفاء العالم الثالث في أفضل الأحوال، بقراءة الكف والفنجان والطالع والبخت، استطلاعا لما تخبئه لهم الأيام.
وهنا ربما يتصور البعض ان ترامب ما فعل ما فعل، سوي بحثا عن أمجاد شخصية، وعن بطولات يدخل بها التاريخ.
بيد أن ترامب في ظني قد عاد الي البيت الأبيض، يتأبط قدرا كبيرا، ثقيل الوزن، لن يرتاح إلا بعد أن يضعه عن كاهله علي ذات هذه الأرض التي تهتز تحت أقدام قادة دول وحكومات العالم اليوم، ليريح معه أيضا أكثر من “مادورو” آخر، أنفق جل وقته وبدد موارد بلاده في معارك دانكشوتية مع الأشباح ومع طواحين الهواء.
بل ولا استبعد أن دونالد ترامب، بات يعتقد أن عودته الي البيت الأبيض بهذه الطريقة الدراماتيكية التي عاد بها، معجزة أخري تمت بأمر أو بيد الله.
معجزة، لم يُرِد أن يُهدرها في التفاصيل الصغيرة ولا في التمهيد الطويل، بل أراد لها أن تُدوِّي.
عاد ترامب لا كعائد إلى السلطة، بل كـ”مبعوث للعناية”، كما يحب أن يُرى.
لا يتعامل مع العالم كمن يبحث عن توازن، بل كمن جاء ليُحدِث اختلالًا مقصودًا.
ومن هنا، يمكن أن نفهم لماذا كل خطوة يتخذها هذا الرجل تبدو كأنها نهاية لحقبة، وبداية لزمن جديد، لا مكان فيه للتقليديين، ولا مأمن فيه للمرتبكين.
ترامب لا ينظر إلى القانون الدولي إلا بوصفه ستارًا ممزقًا يخفي خلفه خيبات القوى الكبرى.
ولا يرى الأمم المتحدة إلا كنادٍ فاشل للنقاش، بات أضعف من أن يحسم مصير إقليم صغير، ناهيك عن أن يصوغ نظامًا عالميًا عادلًا، من وجهة نظره علي الأقل.
لذلك، قرر أن يكتب هذه المرة القواعد بنفسه.
أن يُعيد رسم الخطوط الحمراء، لا كما رُسِمت في يالطا، بل كما تمليها خريطة المصالح الأميركية، في نسختها الترامبية.
ولهذا فإننا حين نسمع اعترافًا مفاجئًا بجمهورية انفصالية مثل “أرض الصومال”، أو نشهد تفويضًا ضمنيًا لحروب بالوكالة في السودان أو غيره، أو نرى تزايدا للتحركات العسكرية تحت غطاء “مكافحة الإرهاب” في إفريقيا، فليس من الحكمة أن نراها أحداثًا منفصلة.
إنها إشارات.. كل واحدة منها تقول إننا دخلنا زمنًا لا يحكمه الإجماع، بل الفرد المتفرد.
زمنًا يُغرد فيه ترامب على منصته الخاصة “تروث سوشيال”، فتتحرك البوارج.
يعبس، فتتبدل التحالفات.
يُصافح، فتولد دولة من العدم.
هل هذا هو النظام الدولي الجديد؟
أم هي الفوضى التي تسبق خلق نظام أكثر قسوة وصرامة؟
لا أحد يعلم.
لكن الأكيد أن ترامب، مهما اختلفت حوله الآراء، لا يترك مكانا علي ما كان عليه.
ولعلنا هذه المرة، لسوء أو لحسن حظ، نقف بالضبط نُصبَّ عينيه حيثما تقعان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.