Fajr Press

هل نخرج من الحرب أقوى .. أم أكثر انقساماً؟

كتب - د. عبدالرحمن يعقوب

عندما قرأت كتاب المؤرخ البريطاني أرنولد جوزيف توينبي محاكمة الحضارات وجدت نفسي أسأل سؤالاً #كيف يمكن أن نفهم مأساة السودان من خلال فكرته الاساسيه في الكتاب «التحدي والاستجابة»؟
ارنولد جوزيف توينبي لم يكن يرى أن المجتمعات تنهض لأنها لم تواجه الأزمات ولا أنها تنهار لمجرد تعرضها للكوارث كان يرى أن التاريخ يضع المجتمعات أمام تحديات ثم يترك لها مساحة واسعة لتحدد مصيرها من خلال الطريقة التي تستجيب بها لهذه التحديات من نظريته (التحدي والاستجابة) وهنا تحديداً تصبح أفكار ارنولد توينبي شديدة الصلة بالسودان .
فالسودان اليوم أمام تحدٍ لا يشبه الأزمات العادية حرب ونزوح وفقدان وانهيار اقتصادي وتراجع في التعليم وضعف في مؤسسات الدولة وانقسام سياسي واجتماعي وتدخلات خارجية وخطاب كراهية يزداد خطورة يوماً بعد يوم لكن كل ذلك رغم قسوته لا يجيب وحده عن السؤال المتعلق بمستقبل السودان السؤال الحقيقي هو:
ماذا سنفعل نحن بهذه الكارثة؟
الحرب ليست مجرد معركة بين طرفين فمن الخطأ أن ننظر إلى الحرب السودانية باعتبارها مجرد صراع عسكري بين أطراف متحاربة الحرب في حقيقتها ضربت الدولة في بنيتها الأساسية وامتدت آثارها إلى المدرسة والجامعة والمحكمة والسوق والأسرة والقرية والمدينة بل امتدت إلى علاقة المواطن نفسه بالدولة والوطن فالخطر ليس فقط في عدد الذين فقدوا حياتهم ولا في حجم المدن التي دمرت ولا في عدد الذين اضطروا إلى النزوح واللجوء.
الخطر الأكبر هو أن استمرار الحرب يعيد تشكيل الإنسان السوداني نفسه واصبح العنف أمراً عادياً وأن الكراهية اضحت لغة سياسية وتحولت القبيلة إلى ملجأ سياسي وأصبحت الجهة بديلاً عن الوطن وفقد المواطن ثقته في القانون واصبح جيل كامل لا يعرف السودان إلا من خلال الحرب والنزوح والخوف وهنا يكون السؤال أخطر من سؤال: من انتصر؟
لأن انتصار طرف عسكري مهما كان لا يعني بالضرورة انتصار السودان فالانتصار الحقيقي هو أن تنتهي الحرب دون أن يخسر السودان نفسه.
الغريب في المأساة السودانية أن السودان لا تنقصه الموارد بالمعنى الحقيقي لدينا الأرض والمياه والزراعة والثروة الحيوانية والبترول والمعادن والموقع الجغرافي والتنوع الثقافي والبشري والأهم من ذلك كله لدينا الإنسان السوداني المؤهل ولدينا آلاف الكفاءات والخبرات والعلماء والأطباء والمهندسين والقانونيين والاقتصاديين والمعلمين الذين أثبتوا داخل السودان وخارجه أنهم قادرون على المنافسة والنجاح عندما تتوفر لهم البيئة المناسبة إذن المشكلة ليست في السؤال:
هل السودان يمتلك مقومات النهوض؟
بل السؤال هو:
هل يستطيع السودان أن يبني دولة مؤسسات قادرة على تحويل هذه الإمكانيات إلى واقع؟
وهنا نصل مباشرة إلى فكرة المؤرخ البريطاني ارنولد توينبي فالتحدي موجود لكن الاستجابة هي التي ستحدد النتيجة ربما لا يكون أخطر ما يواجه السودان هو الفقر أو الدمار الاقتصادي وحدهما الأخطر هو أن يتحول الاختلاف الطبيعي بين السودانيين إلى صراع على الوجود فالسودان بلد متنوع بطبيعته فيه قبائل وثقافات ولهجات وأقاليم وتاريخ وتجارب مختلفة وهذا التنوع ما كان يجب أن يكون لعنة كان يمكن أن يكون مصدر قوة لكن التنوع يصبح خطيراً عندما تتحول الهوية المحلية إلى أداة سياسية وعندما يصبح الإنسان مطالباً بأن يختار بين قبيلته ووطنه أو بين إقليمه ودولته فنحن لا نحتاج إلى سودان يلغي القبيلة أو الجهة أو الإقليم
نحتاج إلى سودان يجعل كل هذه الانتماءات تعيش تحت سقف واحد بمعنى آخر نحتاج الانتقال إلى:
المواطن أولاً والدولة للجميع والوطن فوق الجميع وهذا هو المعنى الحقيقي للمواطنة فلا يكفي أن تتغير الحكومات إذا لم تتغير الدولة وهذه ربما واحدة من أهم القضايا التي يجب أن نفكر فيها بعد الحرب فالسودان لا يحتاج فقط إلى تغيير الأشخاص السودان يحتاج إلى تغيير طريقة عمل الدولة فما الفائدة من تغيير حكومة إذا بقيت المؤسسات ضعيفة؟
وما الفائدة من تغيير المسؤولين إذا ظل القضاء غير قادر على أداء دوره باستقلال وكفاءة؟
وما الفائدة من توقيع اتفاق سياسي جديد إذا ظل السلاح خارج إطار الدولة؟
وما الفائدة من الحديث عن الديمقراطية إذا لم توجد خدمة مدنية مهنية وتعليم جيد واقتصاد منتج ومؤسسات رقابية مستقلة؟
نحن في السودان كثيراً ما ننشغل بالأشخاص وننسى المؤسسات نختلف حول من يحكم لكننا لا نختلف بالقدر نفسه حول كيف يجب أن تحكم الدولة وهنا يجب أن يكون الدرس واضحاً:
الدول لا تبنى بالأشخاص وحدهم وإنما بالمؤسسات والقوانين والتقاليد السياسية الراسخة.
ربما تكون أهم معركة بعد الحرب هي التعليم إذا كان السودانيون يريدون فعلاً أن يخرجون من هذه الأزمة فعليهم أن يتعاملون مع التعليم باعتباره قضية أمن قومي وليس مجرد خدمة من الخدمات فالمدرسة التي نعيد فتحها اليوم قد تكون أهم من عشرات الخطب السياسية والجامعة التي نحافظ عليها قد تكون أهم من كثير من الصراعات حول المناصب والطالب الذي يتعلم العلوم والتكنولوجيا والقانون والاقتصاد قد يكون هو الشخص الذي سيعيد بناء الدولة بعد سنوات نحن بحاجة إلى أن ننظر إلى المسألة بهذه السلسلة:
(مدرسة جيدة =جامعة قوية = بحث علمي = معرفة وتكنولوجيا = إنتاج = اقتصاد قوي = دولة مستقرة )
فالذي يريد أن يخرج من دائرة الحرب لا بد أن يبدأ من الإنسان لأنك تستطيع أن تعيد بناء الجسر لكن إذا لم تبنِ الإنسان الذي يحافظ عليه فسوف ينهار الجسر مرة أخرى وهنا ايضا يمكن أن نستفيد أيضاً من أفكار المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي في كتابه الغرب والحضارة الحديثة فالسودان لا يستطيع أن يعيش معزولاً عن العالم نحتاج إلى التكنولوجيا والطب والتعليم والبحث العلمي والاستثمار والخبرات الإدارية والتجارب الدولية في بناء المؤسسات لكن الانفتاح على العالم لا يعني التبعية له وفي المقابل المحافظة على الهوية لا تعني أن نغلق أبوابنا أمام المعرفة المعادلة الصحيحة في رأيي بسيطة:
نأخذ العلم من العالم لكن نحدد نحن أهدافنا نتعلم من تجارب الآخرين لكن لا نفقد شخصيتنا نتعاون مع الدول لكن نحافظ على قرارنا الوطني فالاستقلال الحقيقي ليس أن نرفض العالم وإنما أن ندخل إليه ونحن نعرف من نحن وماذا نريد فهل يمكن أن تكون الكارثة بداية جديدة؟
هنا نصل إلى الجزء الأكثر أهمية في قراءة الكتاب بالنسبة لبلدنا قد تبدو الفكرة قاسية لكن التاريخ يعلمنا أن بعض المجتمعات خرجت من أعظم أزماتها أكثر قوة وتنظيماً ليس لأن الكارثة كانت جيدة وإنما لأن المجتمع استطاع أن يحول الألم إلى درس والهزيمة إلى مراجعة والأزمة إلى فرصة لإعادة بناء نفسه وهذا هو التحدي الحقيقي أمام السودانيين
هل ستجعلنا الحرب أكثر قبَلية؟
أم أكثر وطنية؟
هل ستجعلنا أكثر اعتماداً على السلاح؟
أم أكثر تمسكاً بالقانون؟
هل ستجعلنا أكثر انقساماً؟
أم أكثر إدراكاً لحاجتنا إلى بعضنا البعض؟
هل ستدمر التعليم؟
أم تجعلنا ندرك أن التعليم هو خط الدفاع الأول عن مستقبل البلاد؟
هل ستجعل الدولة مجرد ساحة للصراع؟
أم تجعلنا أخيراً نفهم أن الدولة ملك لجميع السودانيين وليست ملكاً لحزب أو قبيلة أو جماعة أو إقليم؟
فالسودانيون اليوم أمام امتحان تاريخي فالحرب الحالية يمكن أن تكون واحدة من أخطر اللحظات في تاريخ السودان الحديث لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تكون لحظة مراجعة وطنية كبيرة
لحظة نسأل فيها أنفسنا ما الذي أوصلنا إلى هنا؟
وأين أخطأنا؟
وكيف نبني ونؤسس دولة تمنع تكرار المأساة؟
ليس المطلوب أن نتفق في كل شيء ولا أن نلغي اختلافاتنا ولا أن يصبح السودانيون نسخة واحدة من بعضهم البعض المطلوب فقط أن نتفق على الأشياء التي لا يجوز أن تكون محل صراع:
وحدة السودان وسيادة القانون وكرامة المواطن وحقه في التعليم والعلاج والتنقل والأوراق الثبوتية واحتكار الدولة للسلاح واستقلال القضاء ومهنية القوات النظامية وحرمة الدم السوداني هذه يجب أن تكون ثوابت وطنية لا علاقة لها بالخلافات السياسية فالسؤال الذي يجب أن نطرحه
في النهاية ربما تكون أعظم قيمة في قراءة كتاب توينبي اليوم أنها تجعلنا نغير طريقة السؤال بدلاً من أن نسأل فقط
لماذا حدثت الحرب؟
#علينا أن نسأل ماذا ستفعل الحرب بنا؟
وبدلاً من أن نفكر في السودان الذي كان قبل الحرب فقط علينا أن نفكر في السودان الذي نريده أن يكون بعد الحرب سودان لا يكون فيه المواطن مضطراً إلى الاحتماء بقبيلته لأنه فقد ثقته في الدولة سودان لا يكون فيه السلاح أقوى من القانون.
سودان لا يكون فيه التعليم امتيازاً سودان لا يكون فيه الانتماء الجهوي أقوى من المواطنة سودان تكون فيه الدولة مؤسسة فوق الأشخاص والقانون فوق الجميع ربما يكون هذا هو الاختبار الحقيقي الذي يضعه التاريخ أمامنا فالتاريخ لا يسأل المجتمع فقط ماذا حدث لك؟
بل يسأله أيضاً:
ماذا فعلت بما حدث لك؟
وهنا تحديداً يقف السودانيين أمام مفترق طرق إما أن نخرج من هذه الحرب أكثر انقساماً وأكثر فقراً وأكثر تعلقاً بالسلاح والثأر والجهوية وإما أن نجعل من هذه المأساة بداية لمراجعة عميقة ونبني ونؤسس دولة المواطنة والقانون والمؤسسات ونضع التعليم والعلم والإنتاج في قلب المشروع الوطني عندها فقط يمكن أن نقول إن السودان لم ينجُ من الحرب فحسب بل استجاب للتحدي وصنع من محنته بداية جديدة للتغيير وتأسيس الدوله التي نحلم بها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.