الوعي بضرورة صيانة المصطلحات لصالح الثورة والتنوير والوعي الكامن . هنالك جهات سياسية سودانية تتعمد، بصورة واعية أو جهات آخرى تعمل بصورة غير واعية على إفراغ كثير من المفاهيم والمصطلحات من مضامينها الأصلية والثورية، وتتعمد إعادة تعريفها واستخدامها بصورة فضفاضة تجعلها قابلة لأن تُطلق على أشياء مفارقة محمولاتها الثورية ولا تنطبق عليها شروطها. وهذه مشكلة لا ينبغي التعامل معها على انها مسألة لغوية عابرة فالمصطلح السياسي يحمل دلالة تاريخية وموضوعية يجب ضبطه بحيث لا يتم استخدامه بصورة اعتباطية قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تشويه المفهوم وإفراغه من محتواه.
وولدينا من الأمثلة الواضحة على هذه الظاهرة استخدام تعبير (المسيرة المليونية) فالمسيرة المليونية لا ينبغي ان يكون مجرد اسم موازي يعني ( المظاهرة)، ولا ينبغي أن تصبح وصفاً دعائياً يطلق على أي تجمع بصرف النظر عن حجمه.
عندما يخرج مئات الآلاف أو الملايين إلى الشوارع، فإن وصف ذلك بأنه مسيرة (مليونية) له مبرره كونه يستند على حجم المشاركة الجماهيرية واتساعها وتأثيرها الجماهيري على المشهد السياسي . أما أن يُطلق التعبير نفسه على مظاهرات محدودة يشارك فيها عشرات أو مئات الأشخاص فهذه محاولة متعمدة لتشويه المصطلح وبالتالي نكون جميعنا أمام استخدام يفصل المصطلح عن مضمونه الواقعي والثوري.
وهنا تكمن المشكلة على الجميع واجب الانتباه لها واعادة المصطلح الي جذوره الثورية وضبطه وصيانته ، الخطورة تكمن في وضع حين يصبح كل تجمع (مليونية) تفقد المظاهرات الجماهيرية المليونية معناها الثوري وبالتالي تفقد تأثيرها وسطوتها. وحين تصبح كل مظاهرة ثورة ستفقد الثورة معناها؛ وحين يصبح كل تحرك جماهيري (انتفاضة)، يفقد مفهوم الانتفاضة دلالته التاريخية والسياسية كما يعلمنا الديالكتيك وقوانينه.
منذ وصول حركة الاخوان المسلمين الي السلطة ١٩٨٩م وهم مشغولين بتغير كل شيء سوداني يشهد على التاريخ الوطني ، شعار التلفزيون ولبس المذيعين وزي النساء رغيروا الوان الامكنة، وشوهوا الفندق الكبير وطلوا واجهات الاهرامات بالأسمنت ومنذ ذلك التاريخ وشهد الخطاب السياسي السوداني، ولا سيما في سياقات الصراع بين القوى السياسية، ممارسات كثيرة ومتعددة الاتجاهات لإعادة تعريف المصطلحات وتحريفها أو توسيعها بما يخدم السردية السياسية للمشروع الاسلاموي الذي اسموه المشروع الحضاري الذي لم يكن تثويراً كما تعالت اصواتهم بل تمكيناً لمشروع ظلامي. ويمكن ادراك ممارسة ذلك بوضوح في استخدام الإسلاميين جميعهم، وعلى رأسهم الحركة الإسلامية السودانية، للمصطلحات الجماهيرية والدعائية ضمن هذا السياق وليس هنالك ضروري للتمييز بين إثبات وجود ممارسة محددة وبين إطلاق حكم عام يحتاج إلى أدلة تاريخية وإعلامية موثقة لان الواقع أكبر شاهد اثبات موثوق.
المطلوب من قوى الثورة وقياداتها الطليعية الانتباه في تقديري، ليس للتضييق على لغة الخطاب السياسي وإنما لضرورة ضبط الاصطلاحات وصيانتها. لابد ان يعي الجميع بان المصطلح السياسي ليس زينة لغوية ولا أداة للمبالغة الدعائية، بل إنه أداة صراع طبقي لوصف الواقع وتحليله من اجل تغييره . يجب الانتباه لخطورة تعمد القوى المعادية للثورة في افراغ المصطلحات من مضامينها فكلما ابتعد المصطلح عن مقاصده بشروطه الموضوعية، أصبح الخطاب السياسي والثوري أقل قدرة على التمييز بين الوقائع المختلفة.
لذلك نحتاج إلى استعادة الثورة باستعادة أدواتها بقاعدة بسيطة في الخطاب العام:
لا تسمِّ الظاهرة بما تريد أن تكون عليه، بل بما هي عليه وفق معاييرها ويمكن التحقق منها.
فالمظاهرة مظاهرة، والمسيرة مسيرة، والحشد الجماهيري حشد جماهيري، ولكل منها دلالة فوق الوصفية وبالتالي (المليونية مليونية ) عندما يبلغ حجم المشاركة الجماهيرية وتأثيرها مستوى يبرر هذا الوصف. أما إطلاق المصطلحات الكبيرة ( مثل المليونية) على احتجاجات صغيرة، ضره اكثر من نفعه فإنه لا يكبّر الظاهرة بأكثر من حجمها وأثرها بل يصغّر قيمة المصطلح نفسه ويفرغه من محموله الثوري وهذا ما نجح فيه حتى الآن القوى المعادية للثورة.
ومن هنا على جميع قوى التنوير ومشاعلها الانتباه والعمل بوعي كامل ، فإن معركة المصطلحات ليست معركة شكلية يتم التساهل معها بل إنها جزء من معركة الوعي؛ لأن إفساد اصطلاحات اللغة السياسية سيؤدي في النهاية إلى إفساد ادوات التحليل والنقد وبالتالي اضعاف القدرة على قراءة الواقع نفسه من اجل استنطاقه وتفكيكه وتغييره.
السابق بوست